داخل إنسان _ فاطمة الشرباتي
داخل إنسان
أستفيقُ بعد صفعةٍ إذ بي أرى نفسي وقد تحطّمَ داخلي كله شظايا، منزلٌ مهجورٌ هش قد تم تدميره، سوادُ الليل غطى مدى الرّؤيةِ إما أن ترى الشًظايا أو لا ترى شيئًا، فجرٌ ونهارٌ جديدٌ يتصاعد، حياةٌ لعبٌ أطفالٌ ترقص، يأتي يومٌ يذهب آخر لكن لازلت أراني إلا في الضّيقِ الذي حُصرت فيه، عُميت البصيرةُ مع البصر، اختنق العنق، قُيدت اليدين والقدمين بعدها توقّفَ العقلُ عن النّمو هكذا يموتُ الإنسان حيًا، كأنَّهُ توقّفَ كلّيًّا عن الحياةِ داخلَ منعطفٍ ما حدثَ في حياته فلم يتخطى القلبُ والذّكرى ترفضُ أن تُنسى، في العادة يخرجُ من رحمِ المعاناةِ انسانٌ تائبٌ أو شيطانٌ كاسر، لكنه في الحالتين يُصبحُ أقلَّ تمسّكًا بالحياةِ إذ يفقدُ الإنسانُ شغفهُ على الحياةِ عندما يصبحُ مريرًا، يُمِرُّ الإنسانُ عندما لا يسعفهُ أحدٌ في وقت الحاجة، يصبحُ قاسيًا لا ينكسر، يلتزمُ الصّمتَ جليًا يلزمُ نفسهُ ثانيًا ويترك للناسِ إثمَ الظّنون، في العادة أيضًا يفقدُ قدرتهُ على التّحملِ عندما يفقدُ المأؤى والمعين، يظنُّ بعدها أنه أصبحَ شريدًا بين طرقاتِ وأزقةِ شارعٍ فقير وظنُّهُ حتمًا في مكانه.
أُزهقت الأرواح وبارت، كَهُلت من التّعب أصبحت تشتاقُ لمرح الطفولة، على الأقلِّ لازالت تقوى على الإشتياق، تجمعُ ذاتها وتحاولُ البحثَ عن مكانٍ خالٍ ومظلمٍ لتطلقَ العنانَ لدموعها البكماء تسحبها أحزانها سحبَ اليد إلى أملٍ قد يكون مستحيلًا أو كذبةٍ أخرى لتستمر جَزفًا في هذه الحياة وترقد بين ذراعي خانِقها، تأبَ الحياةَ وتأبَ الإستسلام؛ إذ أنها ليست الحياةَ التي تتمناها والإستسلامُ بالنّسبةِ لها هو الموت فليست تحيا وليست موافيتًا منيتها وإنما تتنفسُ وتحلمُ ولا شيء قيدَ التحقيق، تكبحُ نفسها عن الخضوعِ لليأسِ تشدُّ على قبضةِ يدها ودموعها لا تزالُ تذرف، لا تجد مكانًا لتُنهي هذه الضّجةَ إلا تلك الوسادةَ التي امتلأت مرارًا بماءِ الحزن،
وأخيرًا تستيقظُ صباحًا ظنًّا أنها سترفرفُ وتطيرُ في الأُفقِ البعيدِ تهزُّ نفسها لتجدَ أنَّ قيودَ الواقعِ لن تنفك تراودها، حبال الحقيقةِ لم تنقطع وسيفُ الوقتِ يُداهمُ الرِّقاب، تسمرُ في هذيانها معانقةً ذاتها إلى الأبد.
فاطمة الشرباتي




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات