لهو خير للصابرين _ د . عزام عبد الحميد
لهو خير للصابرين .
الحياة لا تدور علي وتيرة واحدة ، يوم تعب ومشقة ، ويوم هناء وسرور ، والكثير من الناس يجزع عند التعب والمشقة ، ولهؤلاء نقول : ــ في غزوة أُحُد ، و أُحُد اسم للجبل الذي وقعت الغزوة في مُحيطة ، علي مَقرُبة من المدينة المنورة ، قُتل من المسلمين سبعين ، و قُتل من المشركين سبعين ، إلا أن المشركين أمعنوا فيمن قتلوهم ، ومَثلوا بهم ، فمنهم من شقوا بطنه وأخذوا شيئاً من أحشائه ، ومنهم من قطعوا أطرافه ، ومنهم من قطعوا مذاكيره ، إلي غير ذلك من ألوان الانتقام الوحشية ، والاسلام نهي عن كل ما فعله المشركون ، فقتلي المشركين كما هم لم يَقطع منهم المسلمون أنف ولا يد ، ولكن بعد انتهاء المعركة ، فوجئ الحبيب (صلى الله عليه وسلم ) بما فعله المشركون بقتلي المسلمين ، فحزن لذلك وحزن المسلمون معه ، وكان من بين القتلى من المسلمين ، حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ، وقد مَزق المشركون أجزاء من جسده الطاهر ، وشوهوا جسده ، حتي جاءت أخته صفية بنت عبد المطلب ـــ أم الزبير بن العوام لكي تري أخاها ، فخاف الحبيب (صلى الله عليه وسلم ) علي ذهاب عقلها من هَول الموقف ، روي الإمام محمد بن سعد في ( الطبقات الكبرى ) من حديث عبد الله بن عباس( رضي الله عنهما ) ، قال: لما قُتل حمزة يوم أُحد أقبلت صفية تطلبه لا تدري ما صنع ، قال : فلقيت علياً والزبير، فقال علي للزبير: أذكر لأمك ، قال الزبير : لا بل اذكر أنت لعمتك ، قالت: ما فعل حمزة؟ .
قال : فأرياها أنهما لا يدريان ، قال : فجاء النبي ( صلى الله عليه وسلم) ، فقال: ( إني أخاف على عقلها ) ، قال: فوضع يده على صدرها ، ودعا لها ، فاسترجعت وبكت .
أمام هذا الموقف المهيب ، اتخذ الحبيب (صلى الله عليه وسلم ) قراراً ، بأنه في حال التقاء المسلمين بالمشركين في معركة قادمة ، وتفضل الله علي المسلمين بالنصر علي المشركين ،
سَيُمَثل بجثة سبعين أو ثلاثين من المشركين علي اختلاف الروايات ، مقابل تمثيل المشركين بجثة عمه حمزة ، وعزم المسلمون كذلك علي الانتقام لقتلاهم كما يفعل الحبيب (صلى الله عليه وسلم ) .
انظروا أحبائي إلي عظمة الإسلام وتعاليمه الراقية ، ينزل أمين الوحي جبريل عليه السلام من عند الله ( عز وجل ) علي الفور في التو واللحظة ، ويأمر حبيبه محمداً (صلى الله عليه وسلم ) والمسلمون ، بعدم التجاوز في القِصاص ، واحد بواحد ، وعُضو بعُضو ، وجُرح بجُرح ، والصبر علي هذه المُصيبة بدُون قِصاص أفضل ، لأن الإسلام يُريد حياة البشر لا فناءهم ، يُريد التقارب لا التباعد ، يُريد التواد والمحبة لا البُغض والكراهية ، يريد أن يكون الناس أمة واحدة وإن اختلفت عقائدهم وآراءهم ، وهُنا يعلمنا الحبيب (صل الله عليه وسلم ) السلوك القويم والاستجابة لأمر الله وإن خالف هوي النفس ، فيُقرر الصبر علي المُصيبة دون الانتقام البَشع ممن آذوه وأصحابه ، ويُكفر عن يمينه الذي قد عَقده ؛ روي الإمام الحاكم وغيره من حديث أبي هريرة ( رضي الله عنه):
( أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ نَظَرَ إِلَى حَمْزَةَ وَقَدْ قُتِلَ وَمُثِّلَ بِهِ ، فَرَأَى مَنْظَرًا لَمْ يَرَ مَنْظَرًا قَطُّ أَوَجَعَ لِقَلْبِهِ مِنْهِ وَلا أَوْجَلَ ، فَقَالَ : رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ ، فَقَدْ كُنْتَ وَصُولا لِلرَّحِمِ ، فَعُولا لِلْخَيْراتِ ، وَلَوْلا حُزْنُ مَنْ بَعْدَكَ عَلَيْكَ لَسَرَّنِي أَنْ أَدَعَكَ حَتَّى تَجِيءَ مِنْ أَفْوَاجٍ شَتَّى .
ثُمَّ حَلَفَ وَهُوَ وَاقِفٌ مَكَانَهُ : وَاللَّهِ لأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنْهُمْ مَكَانَكَ .
فَنَزَلَ الْقُرْآنُ وَهُوَ وَاقِفٌ فِي مَكَانِهِ لَمْ يَبْرَحْ بَعْدُ : ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) النحل/126، حَتَّى تُخْتَمَ السُّورَةُ ، فَكَفَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمْسَكَ عَمَّا أَرَادَ ).
وعند الإمام البيهقي في دلائل النبوة من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال : ( لَمَّا قُتِلَ حَمْزَةُ وَمُثِّلَ بِهِ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَئِنْ ظَفِرْتُ بِهِمْ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ . فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) النحل/126، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بَلْ نَصْبِرُ ).
هذا هو الإسلام الذي ننتسب إليه ، شَوه البعض جَماله ، ببغيض أفعالهم ، وتمر السُنون ويأتي يوم فتح مكة ، ويتمكن المسلمون من رقاب المشركين ، تمكناً يُمكن أن يُفنيهم ويُبيدهم من علي ظهر الأرض ، ولكن كان التوجيه النبوي بالعفو والصفح عمن آذوهم وعادوهم طُوال هذه السنوات ، فجمع الله كل القلوب علي الطاعة والإيمان ، ودخل الناس في دين الله أفواجا .
ليصبر كُل إنسان علي أذي غيره ، ليصبر الجار علي أذي جَاره ، ليصبر الزوج علي أذي زوجته ، ليصبر الأخ علي أذي إخوانه ، ليصبر الأب علي أذي أبنائه ..... إلخ .
( اللهم اجعلنا من الصابرين المُحتسبين ، وارزقنا الأجر بغير حساب كما وعدت ؛ فإنك لا تخلف الميعاد ) .
بقلم . د / عزام عبد الحميد أبو زيد فرحات .




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات