من دفتر الأيام _ حسين عبدالله جمعه
القطار الذي لم يصل بعد
"من دفتر الأيام "
لم تكن تعرف أن عمرها هشّ، وأن سنواتها الثمانية عشر قابلة للكسر، تمامًا كزجاج نافذةٍ أصابها حجر صدفة.
كانت تمشي في أرض اللجوء خفيفةً كظل، تُخفي ألمها كما يُخفي الفقراء دموعهم: بصمت، كي لا تُربك العالم الذي يبدو دائمًا مشغولًا عنهم.
إسراء لم تكن تبحث عن بطولة… كانت فقط تريد حياةً عاديّة، بيتًا دافئًا، وسماءً تشبه سماء الوطن الذي تركته خلفها ممزقًا بين خرائط وجيوش وشعارات لا تشبه الناس.
كانت حاملًا في شهرها الثامن، تُقاوم الصداع والتعب ووعود الأطباء التي تُشبه الكلمات المستعملة، باردة، جاهزة، خالية من الروح:
"أنتِ بخير… لا يوجد ما يدعو للقلق."
لكن لا أحد كان قادرًا على رؤية ما حملته الحرب في جسدها:
ذلك الخوف الطويل، والرحيل المتكرر، والحياة المعلقة في معسكراتٍ لا تُشبه الحياة.
سقطت إسراء قبل أن تصل إلى النهاية التي حلمت بها.
وفي لحظةٍ واحدة، تحوّل الانتظار إلى موت، والموت إلى ولادة، والولادة إلى مسؤولية لا تُحتمل.
خرج الطبيب من غرفة العمليات، يحاول ارتداء ملامح الحكمة:
"رحمها الله… حاولنا كثيرًا. لكن الطفل بخير. يحتاج فقط إلى الحاضنة… وإلى القليل من الوقت."
لكن الزمن، في بلاد اللجوء، لا يمنح وقته مجانًا.
والحاضنة أغلى من الهواء، وأثقل من قدرة أمٌّ رحلت تترك خلفها صمتًا ورضيعًا لا يعرف من الدنيا سوى البكاء.
كبر الطفل… أو حاول.
مرّت عشرة أسابيع، ثم شهور، ثم عام ونصف، والجدّة تحمل أوراق العلاج كما لو كانت تحمل وطنًا كاملاً على كتفيها.
كل باب تطرقه يُغلق، وكل وعد يُمنح يتحول إلى إجراء، وختم، وانتظار جديد.
ولد حسان معوّقًا نتيجة الولادة المبكرة… لكنه لم يكن المعاق الوحيد.
كان العالم العربي كله يمشي بثقلٍ على قدم واحدة، مُحاطًا بالأسلاك، بالشعارات، بالعبارات الفارغة عن الأخوة والتضامن.
حسان اليوم لا ينتظر حاضنة طبية…
بل ينتظر قطارًا لم يصل بعد.
قطارًا يحمل أمّه التي رحلت، ويحمل طفولته المعلقة في الهواء، ويحمل معنى العدل في زمنٍ لم يعد يعرف العدل إلا في الكتب.
وربما، حين يكبر — إن كتب له العمر — سيعرف أن أمه لم تمت من مرض…
بل ماتت من الإهمال، والحدود، والخرائط، واللامبالاة.
وربما سيعرف أيضًا…
أن هناك شعوبًا تسقط يوميًا، ثم تُترك مثل محطات بلا قطارات، ولا مسافرين، ولا انتظار.
فلا شيء أصعب من أن يولد الإنسان في زمنٍ لم يعد يملك مكانًا للإنسان.
حسين عبدالله جمعه
سعدنايل لبنان




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات