مَكْرُوهَات الصلاة (٤) _ د / عزام عبد الحميد أبو زيد فرحات
مَكْرُوهَات الصلاة (٤) .
من مكروهات الصلاة الحركة دون ضرورة مُلحة ، فقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ذات يوم فوجد بعض المصلين يُشيرون بأيديهم عند التسليم أي عندما يقول الواحد منهم السلام عليكم ورحمة الله ناحية اليمين يُشير بيده اليمنى ، وعندما يقول الواحد منهم السلام عليكم ورحمة الله ناحية اليسار يُشير بيده اليسرى ، فتعجب الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم من هذا الغِعل ، ووصف فِعلهم بأنهم كالخيل الشموس ، ( الخيل الشموس هي الخيل التي تُكثرمن الحركة بأرجلها وذيلها) وأمرهم بالسكون في الصلاة ، روى الإمام مسلم من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: ما لي أرَاكُمْ رَافِعِي أيْدِيكُمْ كَأنَّهَا أذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ؟ اسْكُنُوا في الصَّلَاةِ قالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَرَآنَا حَلَقًا فَقالَ: مَالِي أرَاكُمْ عِزِينَ قالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقالَ: ألَا تَصُفُّونَ كما تَصُفُّ المَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ فَقُلْنَا يا رَسولَ اللهِ، وكيفَ تَصُفُّ المَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قالَ: يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُوَلَ ويَتَرَاصُّونَ في الصَّفِّ ).
أحيانا قد تكون الحركة في الصلاة مَفروضة ومثال ذلك : أن يتذكر المُصلي أن في بعض ملابسه نجاسة كبول أو غائط أو مَني ، ففي هذه الحالة إن استطاع أن يخلع الجزء من الثوب الذي به نجاسة وهو في الصلاة دون أن يتعري فله ذلك ويستمر في صلاته ، ويغفر الله له حركته في الصلاة ، وقد صَلىَ الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ذات يوم وكان مُرتدياً نعلين في قدميه ، ومن المباح أن يُصلي المسلم في نعليه إذا كانت أرضية المسجد مفروشة بالتراب أو الرمال أو الحصباء أي حُبيبات الحصي الصغيرة ، وكان المسجد أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم مفروشاً بالحصباء ، وكان المُصلي قبل أن يدخل المسجد يُدلك النعلين بالأرض جيداً حتى يُزيل أي نجاسة قد تعلقت بها أثناء السير ، وذات يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة بالنعلين ، ثُم جاءه جبريل عليه السلام وأخبره أن بالنعلين نجاسة وأمره بخلع النعلين وهو يُصلي ووضع النعلين عن يساره ، وبالطبع خلع النعلين يتطلب حركة وهذه حركة معفو عنها لأنها السبيل الوحيد لإزالة النجاسة، وإزالة النجاسة إن استطاع واجب وما يتم به الواجب فهو واجب أيضاً ، روى الإمام أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينَما رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يصلِّي بأصحابِهِ إذ خلعَ نعليهِ فوضعَهُما عن يسارِهِ فلمَّا رأى ذلِكَ القومُ ألقوا نعالَهُم فلمَّا قضى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ صلاتَهُ قالَ ما حملَكُم علَى إلقاءِ نعالِكُم قالوا رأيناكَ ألقيتَ نعليكَ فألقينا نعالَنا فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إنَّ جبريلَ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أتاني فأخبرَني أنَّ فيهِما قذرًا - أو قالَ أذًى - وقالَ إذا جاءَ أحدُكُم إلى المسجدِ فلينظُر فإن رأى في نعليهِ قذرًا أو أذًى فليمسَحهُ وليصلِّ فيهِما ).
إذا لم يستطع المُصلي إزالة النجاسة في الصلاة خرج من صلاته لأن الصلاة لا تصح في وجود نجاسة على الثوب أو الجسد أو مكان الصلاة.
المُصلي إذا خلع شيئاً من ملابسه به نجاسة في أثناء الصلاة يضع هذا الشيء عن يساره إذا لم يكن عن يساره أحد من المصلين ، وإذا كان عن يساره أحد من المصلين وضع هذا الشئ بين قدميه ، ولا يضعه عن يمينه ، روى الإمام أبو داود من حديث أبي هُريرةَ رضِيَ اللهُ عنه: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: "إذا صلَّى أحَدُكم فلا يَضَعْ نَعلَيْه عن يَمينِه، ولا عن يسارِه؛ فتَكونَ عن يمينِ غيرِه، إلَّا ألَّا يَكونَ عن يَسارِه أحَدٌ، وَلْيضَعْهما بينَ رِجلَيْه ).
يجب على المُصلي إذا أخبره الثقة بأن توجهه إلى القِبلة خطأ وأخبره بالقِبلة الصحيحة أن يتحرك في الصلاة حتى يُصبح نحو القبلة الصحيحة ، وهذه الحركة معفو عنها لأنها السبيل الوحيد لتصحيح اتجاه القبلة ، والتوجه إلى القبلة الصحيحة من شروط صحة الصلاة ، وفي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تغيرت القبلة من بيت المقدس بفلسطين إلى المسجد الحرام بمكة المكرمة بعد الهجرة بستة عشر شهراً ، وكانت أول صلاة صُليت ناحية القبلة الجديدة هي صلاة العصر ، وفي اليوم الثاني من تحويل القبلة ذهب رجل ممن صلى إلى القبلة الجديدة إلى حي قُباء وهو بعيد عن المسجد النبوي ، فإذا بهم يُصلون ناحية بيت المقدس بفلسطين القبلة القديمة ولم يعلموا بالقبلة الجديدة ، فأخبرهم الرجل أن القبلة الجديدة هي التوجه إلى المسجد الحرام بمكة المكرمة ، ومن المعلوم أن بيت المقدس بفلسطين ناحية الشرق والمسجد الحرام بمكة ناحية الغرب ، فتحرك المُصلون في صلاتهم وصار الإمام إلى الاتجاه المعاكس والمصلون خلفه وأتموا صلاتهم ، روى الإمام البخاري من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كانَ أوَّلَ ما قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ علَى أجْدَادِهِ، أوْ قالَ أخْوَالِهِ مِنَ الأنْصَارِ، وأنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكانَ يُعْجِبُهُ أنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وأنَّهُ صَلَّى أوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ العَصْرِ، وصَلَّى معهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى معهُ، فَمَرَّ علَى أهْلِ مَسْجِدٍ وهُمْ رَاكِعُونَ، فَقالَ: أشْهَدُ باللَّهِ لقَدْ صَلَّيْتُ مع رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كما هُمْ قِبَلَ البَيْتِ، وكَانَتِ اليَهُودُ قدْ أعْجَبَهُمْ إذْ كانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وأَهْلُ الكِتَابِ، فَلَمَّا ولَّى وجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ، أنْكَرُوا ذلكَ ).
ويجب أن نعلم أن هناك حركات مسنونة أي يُستحب فعلها لأن فيها إتمام لهيئة الصلاة ، وإن تركها المصلي فلا شيء عليه ، ومثال ذلك: أن يجد المصلي مكاناً فارغاً عن يمينه فله أن يتحرك حتى يَسُد هذا الفراغ ، أو يكون المُصلي في الصف الثاني ووجد أمامه في الصف الأول مكاناً فارغاً فله أن يتحرك خُطوات للأمام حتى يَسُد هذا الفراغ ، روى الإمام أبو داود من حديث عبد الله بن عُمرَ رضيَ اللَّه عنهما، أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: أَقِيمُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بَينَ المنَاكِب، وسُدُّوا الخَلَلَ، وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَلا تَذَرُوا فَرُجَاتٍ للشيْطانِ، ومَنْ وصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّه، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعهُ اللَّه ) .
وعند أبي داود أيضاً من حديث أَنسٍ بن مالك رضي الله عنه أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَاربُوا بَيْنَها، وحاذُوا بالأَعْناق، فَوَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ إِنَّي لأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ منْ خَلَلِ الصَّفِّ، كأنَّها الحَذَفُ ) .
وأختم بدعاء أبي الأنبياء والمرسلين سيدنا إبراهيم عليه السلام حيث قال:( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ).
بقلم . د / عزام عبد الحميد أبو زيد فرحات .



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات