-->
»نشرت فى : الثلاثاء، 27 يناير 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

رقائق الوجود _ د. محمد شعوفي


 رقائق الوجود

تأملات في فن العيش الواعي.
كل لحظة بياض هي دعوة إلى إعادة اكتشاف الذات، وكل كتابة هي مرآة للروح.
أقف الآن في حضرة البياض.
أجرّد نفسي من ضجيج الخارج، لأستمع إلى وشوشات الداخل، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الصدق.
أكتب هذه الكلمات من أعماق مرآة الروح، حيث يستقر الصمت لا بوصفه فراغًا، بل بوصفه معلّمًا خفيًا يُنبئ بحكمة لا تُدرك بالأبصار، وإنما بالبصائر.
ليست هذه سوى وقفات أدوّنها بين زفرات الزمن ونسمات الحنين، محاولة متأنية لفك أسرار الجمال الكامن في ثنايا العادي والمألوف، ذلك الذي نمرّ به كل يوم… ولا نراه.
إنها دعوة مفتوحة إلى رحلة عميقة داخل الذات، لنقرأ سطور حياتنا بلغة القلب، ونتعلّم فن تحويل التفاصيل اليومية إلى خيط ممتد من نور.
الحياة في وجداني ليست مسارًا خطيًا تُحصى خطواته، ولا طريقًا تُقاس مسافاته بالأرقام، بل هي لوحة كونية أدعى كل يوم إلى إكمالها بأناملي، وألوان خواطري، واختياراتي الصغيرة.
في كل فجر يطلّ، أستقبل شظايا من الفوضى، وبقايا أحلام مرسومة بظل الأمل، وأحمالًا من الأسئلة الوجودية التي تُثقل كاهل الروح.
وأمام هذا الركام المكدّس، أتذكّر أنني الفنان.
ذلك الذي يمتلك مسحة كافية من السكينة ليحوّل الأنقاض إلى ملامح طمأنينة.
فالموهبة الحقيقية ليست في رسم الجمال الجاهز، بل في استخراج الجمال من قلب الاضطراب.
النعمة هي لغتي السرّية في مخاطبة الوجود.
بها أعبّر عن أفراحي وأتراحي، بلغة تهمس للقلوب قبل الآذان، فتذوب معها الحدود الوهمية بيني وبين العالم.
واللطف هو قوتي الخفية التي لا تُقهر.
سلاحي الناعم الذي يفتّت صخرة القسوة، ويجبر جدران الغربة والوحشة أن تتداعى.
أتعلّم سر البقاء من البحر، معلّمي الأزلي الرصين.
فهو حين يصطدم بالصخر الصلد لا يتراجع خائبًا، ولا يتحوّل إلى غضب أعمى يُهدر طاقته.
بل يضمّ الموجة إلى صدره بكبرياء، ويبتكر حركة جديدة، منسجمة مع الصخر، حاملة معها أمل مدّ جديد يغسل أدران الشاطئ.
هكذا أريد أن أكون.
قوة مستمرة في العطاء، متجددة في العفو، وعميقة في سكينة لا يكدّرها صخب العابرين.
لا أسعى وراء أكوام من المقتنيات الزائلة، ولا ألهث خلف ألقاب برّاقة تزيّن الاسم وتفرغ الجوهر من محتواه.
إنما يبحث قلبي عن أنفاس رقيقة من السلام، تُشبع جوع الروح دون أن تُثقل خفة الكيان.
وفي مفترق الطرق الوعرة، أبتغي بصيص حقيقة ينير الدرب دون أن يخطف مني سحر المجهول الذي يمنح للحياة طعمها.
وفي أفعالي اليومية، أحرص على لمسة من اللين، لأكون كالغصن الحيّ يترنّح مع العاصفة فيتوافق معها، ولا ينكسر كالحطب اليابس.
فالأمر في جوهره ليس جمعًا للمعلومات، بل تنقية للمشاعر.
وليس امتلاكًا للأشياء، بل حضورًا كاملًا في جوهر اللحظة.
كم مرّت عليّ لحظات سعادة ساحرة دون أن أنتبه إليها، لأنني كنت أبحث عن كنوز وهمية وراء الأفق، بينما كانت الدرر تنتظرني تحت قدميّ.
كانت تسكن في نظرة حب صادقة تلمع في عيني إنسان عزيز يشاركني الدرب.
وكانت تختبئ في سكون الصباح الباكر، حين يكون العالم هدية خاصة قبل أن يصحو الضجيج.
وكانت تتنفّس في أنفاسي الواعية، حين توقّفت أخيرًا عن الهروب العبثي إلى أمس ولّى أو غد لم يولد بعد.
حينها أدركت بيقين أن السرّ في التوقّف عن الجري، وفي النظر إلى ما بين يدي كأنه الحقيقة الوحيدة الجديرة بالاحتفاء.
الحياة تمنحني، وتمنح كل واحد منّا، كل ما نحتاجه بلا نقصان.
لكنّ عيوننا تُغطّى أحيانًا بغبار التوقّعات العالية والخيبات القديمة.
وحين ننزع ذلك الغبار بانتباه صادق وامتنان عميق، نكتشف أن ما كنّا نبحث عنه بعيدًا كان هنا يلوّح لنا طوال الوقت.
مسؤوليتي الوحيدة أن أكون رسّام لوحتي.
أن أختار بوعي ألوان مزاجي، وأرسم بدقة خطوط مساري، وأوزّع ظلال علاقاتي بما يريح النفس.
فلتكن فرشاتي من ألياف النعمة، وألواني من صبغة اللطف، وإطار لوحتي من رحابة صدر تتّسع للكون أجمع.
هكذا أستمرّ في رحلتي يومًا بعد يوم.
أتحوّل من متفرّج خاضع لتقلّبات الدهر، إلى إنسان يدرك قيمة اللحظة الراهنة.
أعيد تشكيل الفوضى لتصبح نسقًا جميلًا، وأرتق الكسور بذهب الصبر الجميل، وأحوّل ثِقل العناء إلى درس في الارتقاء.
أمشي في مناكب الأرض وأهمس لنفسي بامتنان:
لتبقَ نعمتي لغتي.
ولُطفي قوتي.
وليكن وجودي كالبحر:
عطاءً لا ينضب، وعفوًا لا يتوقف، وتجدّدًا دائمًا لا يعرف الجمود.
فهذه حياتي التي اخترت.
وهذا طريقي الذي سلكت.
وهكذا، تتناثر رقائق الوجود في مسيرة العيش الواعي، لتصوغ لوحة لا يبهت لونها، ولا ينطفئ نورها.
بقلم:
د. محمد شعوفي
27 يناير 2026

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة أكاديمية النيل لعظماء الشعر والأدب 2014 - 2015