فن الصلح _ الزهرة العناق
… فن الصلح …
أن نقول: الطلاق حلال، ثم نغلق أبواب الصلح، ونطوي صفحة المحاولة، ونرفع أيدينا عن قلبين كانا يومًا بيتًا واحدًا.
تلك ليست حكمة بل هروب مغطى بشرعية.
الطلاق، وإن كان حلالا، لم يشرع ليكون أول الحلول، ولا ليصبح مخرجًا سريعًا من تعب العلاقة، ولا ليستعمل كزر إيقاف عند أول اهتزاز. الطلاق شرع كآخر الدواء، حين تستنفد الرحمة، وتستنزف المساعي، وتجف لغة الحوار، ويصبح البقاء أذى لا يحتمل.
أكبر كذبة نرددها، أحيانًا ببرود، وأحيانًا بتواطؤ صامت، أننا نختصر مأساة أسرة كاملة في جملة لم نفهمها صح: الطلاق حلال.
نقولها، وننسى أن قبل الطلاق إصلاح، وقبل الهدم ترميم، وقبل الفراق جسورًا كان يمكن أن تبنى لو وجد من يحمل الإسمنت بدل المعول.
الفشل الحقيقي في الزواج ليس أن ينتهي عقد بين زوجين. الفشل الحقيقي أن ينتهي الضمير الجمعي قبل أن تنتهي العلاقة.
أن ينشب خصام بين اثنان، فنقف متفرجين.
أن يتباعد قلبان، فنكتفي بالنصيحة السطحية.
أن تبكي امرأة في صمت، أو يختنق رجل تحت ثقل المسؤولية، فنقول: تفاهموا وحدكم.
وكأن الزواج شأن خاص لا يمس المجتمع، والأطفال الذين يولدون من رحم هذا الانفصال لن يكونوا أبناءنا في المدارس، وجيراننا في الشوارع، وموظفينا في الإدارات، ومواطنينا في الغد.
الصلح ليس ترفًا أخلاقيًا، بل مسؤولية إنسانية.
قال الله تعالى:
“وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا”
لم يكن ذلك اقتراحًا اختياريًا، بل منهجًا حضاريًا لإدارة الخلاف. منهجًا يعترف بأن الحب قد يضعف، والغضب قد يعمي، والإنسان في لحظة الأزمة يحتاج عيونًا خارج ألمه، وعقولًا أبعد من انفعاله.
لكننا اليوم نعيش زمن الحلول السريعة:
نضغط بسرعة على زر الحذف بدل المراجعة،
نغلق الصفحة بدل قراءة السطور الأخيرة،
نفضل الانسحاب على المواجهة الناضجة.
أصبحنا نعامل الزواج كعقد قابل للإلغاء بضغطة مزاج، وليس كميثاق غليظ يحتاج للصبر، والتغاضي، والتنازلات المتبادلة.
والأدهى من ذلك، أننا أحيانًا نشجع على الانفصال أكثر مما نشجع على الإصلاح.
ننفخ في نار الغضب بدل أن نطفئها.
نحكي القصص السوداء بدل أن نذكر باللحظات الجميلة.
نحصي الأخطاء، ولا نعد سنوات العشرة.
لسنا ملائكة، نعم. والزواج ليس فردوسًا دائمًا. لكن بين الكمال والانهيار مساحة واسعة اسمها: المحاولة.
أن نحاول الفهم قبل الحكم.
أن نعلم الأزواج لغة الحوار وليس ثقافة الصراخ.
أن ندربهم على الاعتذار و المطالبة بحقوقهم.
أن نزرع فيهم فكرة أن الخلاف مرحلة، وليس نهاية الطريق.
كم من بيوت كان يمكن إنقاذها بكلمة صادقة؟
كم من أطفال كان يمكن حمايتهم من يتمٍ نفسي لو تدخل حكيم في الوقت المناسب؟
كم من علاقات كانت ستستعيد عافيتها لو وجد من يقول للطرفين: توقفا، تنفسا، وتذكرا لماذا اخترتما بعضكما يومًا؟
الطلاق قد يكون ضرورة في بعض الحالات، نعم.
حين يتحول الزواج إلى عنف، أو إهانة مستمرة، أو استنزاف للكرامة.
لكن أن نجعله القاعدة بدل الاستثناء، فذلك إعلان فشل جماعي في ثقافة الإصلاح.
أكبر كذبة ليست أن الطلاق حلال. أكبر كذبة أن نقنع أنفسنا أننا أدينا واجبنا لمجرد قول هذه العبارة. أما الحقيقة المؤلمة، فهي أننا كثيرًا ما خذلنا الصلح، قبل أن يخون الزواج أصحابه.
ما أحوجنا اليوم إلى أن نعيد الاعتبار لفن الإصلاح، وأن نعلم أبناءنا أن الحب مسؤولية،
والزواج مشروع صبر،
وأن البيوت لا تبنى بالمشاعر وحدها، بل بالحكمة، والتغافل الجميل، والإرادة الصادقة في البقاء معًا رغم العواصف.
لعل أعظم عبادة اجتماعية غائبة عن واقعنا، هي أن نسعى بصدق لجمع قلبين افترقا،
قبل أن نصفق لانفصالهما باسم الحلال.
بقلمي
... الزهرة العناق ...
27/01/2026



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات