-->
»نشرت فى : السبت، 7 فبراير 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

لعنة القطط (ق ق) _ جبار شيال


 لَعنة القطط

قصة قصيرة

‏منذ طفولتي، كنتُ حملًا وديعًا، وذو مزاج رفيع، وقلبٍ رقيق على درجة الإفراط جعلتني مختلفًا عن الآخرين، وخصوصًا زملائي. 

‏عندما نسير في الطريق، وأرى حيوانًا يعاني، كنت أوقف زملائي وأعتني به، فتتعالى قهقهاتهم:

‏"اتركه وشأنه، لا تتسبب بتأخرنا ... يا لبلادتك!"

‏كنتُ مختلف الطباع، تميزتُ بحب الحيوانات الأليفة، وخاصّة القطط؛ لهدوئها وجمالها. تعلمتُ منها الهدوء، وكنتُ أمضي وقتًي معها، لا أعرف سعادة تفوق سعادتي بقربها. أطعمها، وأداعبها، وتنام جانبي.

‏حتى عندما كبرت، كبرت معي ينابيع المحبة لها، بخلاف أولئك  الذين لا يحترمونها، مثل أختي التي في عمري، وكانت تكره القطط. بمجرد ان تلامسها قطة،تصرخ وتنهزم منزعجة، كأن أفعى مرّت بجانبها.  أقولل لها:

‏"ما بكِ أختي؟ إنها قطة مسكينة، بيضاء وجميلة!"

‏فتردّ:

‏"الموت لك ولقطّتك اللعينة !"

‏تزوجت أختي من شابّ يسكن قريبًا منا،  معظم النهار تقضيه في ضيافتنا، ثمّ تعود إلى بيتها عند عودة زوجها من العمل.

‏وذات يوم، أنجبت قطّتي ستة قطط، وإخذت تتنقل بها من مكان إلى آخر، خائفةً عليها.  وهذا ما أثار سخط أختي وانزعاجها.، 

‏قالت:

‏"أنا لا أحتمل قطّة واحدة،  فكيف أحتمل سبعًا؟! الموت واللعنة عليها وعلى صغارها!"

‏ لعنة، من شرٍ قابع داخل النفس البشرية، التي حقيقتها حيوانية عدائية مكبوتة، نتيجة غياب الوعي.

‏أختي تجرّأت على صغار القطط، ووضعتهم في ثلّاجة قديمة، وأغلقت الباب عليهم... جريمة لانعلم بها، وحدها الأمّ المسكينة كانت تعرف، رأيناها تحوم حول تلك الثلاجة التي أصبحت قبرًا لصغارها، فارقن الحياة بعد ساعات قليلة.

‏ندمت أختي ، بعد أن انهال عليها التوبيخ والعتب من الجميع.

‏ومن حين لآخر، كانت القطة المفجوعة تأتي وتطلق صيحات الحزينة، معاتبة أختي... صيحات سيمفونية، كأنّها تخرج من نايٍ حزين، يحنّ لفقدٍ لن يرجع اليه أبدًا

‏تقول القطة في صمتها الموجع:

‏"لماذا قتلتِ صغاري؟"

‏مّما أزعج أختي كثيرًا. 

‏القطّة المسكينة لم تكف عن العتب، وكانت تنادي أختي بنظراتها، تلاحقها أينما ذهبت. 

‏حتى تملكها الخوف، وبدأت تعتقد أنّها ستهاجمها على حين غرة في منامها. 

‏طلب مني والدي أن أضع القطة في كيس وأتركها بعيداُ. ترددتُ كثيراً، لكن الامر  ازداد سوءًا.

‏فتحيزت  لجنسي البشري، واقتنعت، ووضعتها في كيس. وكنت اسمع صوتها يتغلغل في أذني، مخترقًا كهوف كياني، وإنا ذاهب بها إلى منفاها .تركتها في زقاق بعيد... بعيد جدًا.

‏لا يهم، طالما أنها على قيد الحياة،  تركتها لمصيرها المجهول.

‏بعد أيام، وضعت أختي جنينها البكر، كفلقة قمر.  وكان في رعاية إمي  وفي غمرة الفرح وبركات الاقرباء بدأ الجنين ينمو يوما بعد يوم  وصار ملاكًا في إعيننا،  وفي عيون أمه التي غمرتها السعادة.  كان أول حفيدًا لنا ينتقل من حضنٍ إلى آخر.

‏وفي صباح يومٍ حزين...

‏حلّت الفاجعة . . . 

‏استيقظتُ مرعوبًا على صراخٍ وعويلٍ يشقّ جدران المنزل والستائر امتدلّية على النوافذ. . . 

‏الطفل الملاك ميت ! 

‏فارق الحياة في حضن أمه منذ ساعات الليل الأخيرة. 

‏"أختي قتلته. . . .

‏  كانت ترضعه وهي  نائمة، فخنقته  بثديها الكبير. 

‏عرفت من أمّي التي تصرخ وتولول:

‏"ألم أقل لكِ؟! لا ترضعي طفلك وأنتِ نائمة؟! الم اقل لك: ضعيه في فراشه بعد أن يُشبع؟!"

‏وامتلأ البيت بالأقرباء والجيران. فاجعة كبيرة لا تُنسى، حفرت كهوفًا في جسدي وألما يجعل القلب ينزف دمًا، 

‏أم تقتل طفلها!

‏و الطفل يُنتقّل بين النساء الكبيرات، عسى يجدن فيه رمقًا أو قلبًا ينبض...

‏وفي اليوم الثاني، كانت النسوة يعزّين أختي المفجوعة، التي لا تكفّ عن البكاء والضرب الخدود، 

‏وفجأة، وعلى حين غرّة، 

‏ظهرت القطة البيضاء.. . 

‏وقفت في باب الصالة، تنظر إلى أختي، والنساء غير المباليات. ثم صرخت القطّة كي تلفت اانتباه أختي، ثم صرخت بصوتها الحزين، كنايٍ أحدثوا ثقوبًا في جسده بالنار الحامية

‏سكتت أختي، وسكتت النسوة.

‏وشعرت أختي أنّ القطة تريد أن تواري خطيئتها، 

‏فقط أختي رأت القطة.  النسوة غير مباليات. 

‏ صرخت القطة صرختها الثالثة، وبقّوة، وكأنّها تقول لأختي:

‏"كل ساقٍ سيسقى بما سقى... ولا يُظلم ربك أحدًا."

‏صرخت أختي صرخة مدوِّية برعب، وأُشارت بيدها الى.

‏القطة، ثمّ أُغمي عليها.  والقطة ابتلعتها الصالة، 

‏ولا نعرف... كيف عرفت الطريق؟ وكيف وصلت؟

‏لكنها وصلت... وأوصلت رسالتها.

جبار شيال  _ العراق

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة أكاديمية النيل لعظماء الشعر والأدب 2014 - 2015