مرفأ الأمان _ شذى عباس
تبدأ الحكاية حين يظن الإنسان أن الحياة مجرد ركض خلف أهدافٍ رسمها له المجتمع أو فرضتها عليه تربيته، يظن أن الغاية هي الجمع والمنصب والظهور. لكنه في منتصف الطريق، يصطدم بأمواج الابتلاءات وصراعات النفس، ليدرك الحقيقة الكبرى: أننا في سفرٍ لا يستقر إلا بلقاء الله.
لا يصل الإنسان إلى الوعي إلا بعد "جهاد مرير"، يسقط فيه مرة ويقوم ألفاً. هي مرحلة تصفية القناعات، حيث يدرك المرء أن كل ما فات كان "وسيلة" لا "غاية". وفي هذا المقام، يتردد صدى القول الرباني:
"وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" [العنكبوت: 64].
حين يشتد الوعي، يبدأ الإنسان بـ "التخلي". يتخلى عن كبريائه، عن تعلقه بالأشخاص، وعن كل ما يقطع طريقه إلى ربه. يوقن أن السلام الداخلي لا يأتي من الوفرة، بل من الاكتفاء بالله. وهذا هو جوهر حديث النبي ﷺ:
"لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ" (متفق عليه).
الرسو في "مرفأ الأمان"
في المحطة الأخيرة، يرسو العبد في مرفأ اليقين. ينظر إلى ماضيه بامتنان، لا يندم على عناء، بل يفتخر بصبره وقناعاته التي ثبتت أمام العواصف. يصل إلى "التصالح مع الكون"، فيرى في كل قدرٍ حكمة، وفي كل منعةٍ عطاء. يكون همه الوحيد أن يصل بقلبٍ سليم، مصداقاً لقوله تعالى:
"يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ" [الشعراء: 88-89].
إنها الرحلة التي تستحق أن نحيا لأجلها؛ لكي لا نلاقي الله إلا بوجهٍ يليق بجلاله، وقلبٍ فاض بجمال القرب منه.
شذى عباس-العراق




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات