سطح القدر _ طاهر عرابي
«سطح القدر»
قصة قصيرة رمزية
بقلم: طاهر عرابي
(دريسدن — كُتبت عام 2023 ونُقّحت في 08.02.2026)
“عندما يصبح الاختبار قدرًا، والنور يولد من سقوطك… هل تجرؤ على مواجهة نفسك؟”
⸻
في قريةٍ نائية، كان الأمل ينام مبكرًا، وكانت الأحلام تبحث لنفسها عن زوايا للاختفاء، إذ لم تكن يومًا قدرًا لأحد.
كانت الشمس تشرق للزرع الذي يليق بصفاء تبعيّته للأرض، لا لوعدٍ آخر.
وكان كل ما يشبه التجديد هو الورد، بكل أشكاله وألوانه، ينثر عطره لمن أراد لنفسه حياةً واقتحم الجمال، رغم أن القليل فقط كان يفهم الضوء وتغريدات العصافير، ناهيك عن حمل ساق وردةٍ والابتسام لها.
كان الناس يعدّون الأيام ولا يحلمون بها، ولم يروا في اليوم القادم سوى ثوابٍ عمّا سبق، حتى وإن بدا أشبه بيوم ميلادٍ لا يحمل جديدًا ولا مفاجأة.
كان شعورٌ عام يسود القرية بأنها بلا ماضٍ، وأن النهار هو آخر ما يمنحه الليل، وأن البقاء يتشكّل ببطء، مثل الندى، ثم يتوارى؛ لا هو نبعٌ ولا مطر.
كانت قريةً غافلةً عن نفسها، صابرةً على الصباح، تنتظر المساء كما يُنتظر العقاب.
لكلٍّ فيها مشاغله، ولكلٍّ سطوته على أفكاره وملذّاته؛ يتصارع مع نفسه، ويبحث عن سطحٍ يحمله ويقيه من العواصف والأمطار، حتى وهو جالسٌ في بيته، كأن الخطر يقيم معه.
لم يكن الخوف هاجسًا فرديًا، بل كانت القرية كلّها هاجسًا متربّصًا بأهلها؛ خوفًا يتدرّب على الصمت، ويُحسن التخفّي، ويتيّحن فرصته للوصول إلى النفوس المطمئنّة، لا ليوقظها، بل ليكسر سكينتها.
عاش في وسط القرية رجلٌ ناسكٌ اسمه كاران، متعبّد، يقضي نهاره في الصلاة وليله في الاستغفار. يحمل عصًا ومسبحةً طويلة، ويجوب حارات القرية وهو يتمتم. لم يكن يحذّر أحدًا ولا يعظ، وكان هو نفسه يتأرجح بين اليقين وهاوية العبث.
حتى إنّ الناس كانوا يوقفونه أحيانًا ليفهموا ما يقول، لكنهم سرعان ما يتركونه ويمسحون وجوههم من رذاذٍ ذابق، كأن كلماته بللٌ ثقيل لا معنى له.
هكذا كان يقدّم نفسه… ناسكًا زاهدًا، بفخرٍ لا يخلو من صدىٍ أجوف.
ومع الوقت، صار العجب منه أثقل من أن يُحتمل، فنبذه الناس نبذًا صامتًا، لا عداء فيه ولا انتقام.
تركوه ليكمل طوفانه وحده، لعلّه يستعيد بعضًا من الكلام المفهوم، أو يبقى على حاله، مثل فراشةٍ محمّلة بالطين؛
لا تستطيع نفضه عن جناحيها، ولا تستطيع الطيران،
فتختفي أخيرًا، وتريح الناس من ألغازها العجيبة.
ومع ذلك، لم يكن كاران مختلفًا عن باقي الناس دائمًا. كان له حقلٌ صغير يعمل فيه منذ زمن. لكن التحوّل في حياته بدأ فجأة، في صباحٍ استيقظ فيه مذعورًا من حلمٍ ثقيل. رأى نفسه يزرع قمحًا، فإذا السنابل تتحوّل ذهبًا يضيء بستانه، وكلما همّ بالحصاد، ظهرت أفعى بسبعة رؤوس حالت بينه وبين القمح، ثم انقضّت عليه.
صحا فزعًا، يتصبّب عرقًا، وقال لنفسه بصوتٍ مبحوح:
— أنا هالك.
ما كان للأفعى أن تكون في حقل الذهب لو كنت نقيًّا حقًا.
أضعت عمري في العمل، وحين جاء الامتحان خسرت.
منذ ذلك اليوم، انقطع عن الحقل، واستبدل الفأس بالمسبحة، والعمل بالابتهال، فصار ما يظنه خلاصًا عبئًا عليه، وعلى من حوله.
وما كان يغيظ الناس فيه أكثر من أيّ شيء، مسألة الكرامة الشخصية. فهو، حين يجوع، يطرق باب جاره الفلّاح أهان، طالبًا رغيفًا مغموسًا بالزيت ومرشوشًا بالزعتر. وحين يمرض، يطرقه أيضًا، راجيًا شايًا بالليمون أو حفنة زبيب.
كان الناس يرونه ويسمعون رجاءه، ثم يتلفّتون متعجّبين: أيُّ قديسٍ هذا؟ لا شيء فيه يثير الإعجاب. لم يجدوه إلا كهفًا للعجب، وقداسةً بلا أثر.
أما الجار، فكان يشرب ويدخّن غليونًا طويلًا، يفتح الباب بلا أسئلة، يعطيه ما يحتاجه، ثم يغلقه وهو يقول على مسمعه:
— غدًا ستصحو باكرًا وتذهب معي إلى الحقل. اجلب ما تشتهي بيديك.
لقد سئمت جيرتك المرهِقة يا كاران. لو أنك تصوم للأبد، ربما أعفيك من العمل. وبصراحة، أنا لا أقدّم لك الطعام إلا خوفًا من الناس، لئلا يقولوا: مات جاره جوعًا وهو يعلم.
تعبّد كما تشاء، لكن اعمل: فلاحًا، حصّادًا، خبّازًا…
ولا تبقَ متطفّلًا تتكئ عليّ. ما ذنبي سوى أني جارك؟
ليس الطعام هو الثمين… بل أنت.
ألا تشعر بالعزلة؟
القرية تتكوّن من بشرٍ يعملون، ودوابّ ترعى وتعمل،
أمّا أنت… فلا تصنيف لك.
كيف تحتمل الخروج عن الموروث
ولا تأتي بموروث؟
وفي كل مرة، كان الناسك يسند ظهره إلى الجدار ويجيب بهدوءٍ مصطنع:
— ادعُ الاسم المقدّس أن يهديك. أنا أفعل هذا لأني أحبك، وآخذ منك ليعطي المقدّس ويعفو عنك.
لو تدري يا أهان كم نحن أخفّ من ريشةٍ اقتُلعت من بطن عصفورٍ صغير. لا وزن لنا في كونٍ تسيطر عليه ثنائية الميلاد والموت. ارتدع يا أهان، أرجوك.
في صباحٍ غائم، صعد كاران إلى سطح بيته. نادى على الجار أهان وقال بثقة:
— سأختبر رضى المقدّس عني. إن نجوت، ستشهد معجزة.
لقد صلّيت كثيرًا حتى صرت أغفو فأرى نورًا يحيط بي من كل جانب…
هذا تأكيد ورعي. لقد بلغت أبواب الحكمة، صدّقني.
إن سقطتُ سالمًا، ستعلم أني مبارك، وسأخصّص لك مرتبًا شهريًا: خمسة دنانير ذهبية، وسترى كيف تُجرّ إليّ الأغنام والإبل أجرًا لي بعد أن أشفي المرضى.
ربما كان حلم القمح رسالة، وربما حان وقت الاختبار.
أمّا الثعبان فقتلته بالإيمان.
لم يردّ الجار.
رفع الكأس إلى فمه وتمتم:
— تفضّل. ألقِ بنفسك. ربما ترى حقيقتك فوق الصخر.
وإن بقيت حيًا، سأجرك إلى الحقل لتعمل معي.
وإن متَّ… فذلك نهاية متوقعة للمتهوّرين.
أمّا حلمك بأنك ستشفي المرضى وأنت لم تشفِ نفسك، فهذا أمر ستناقشه العبثية في أجمل صورها عند الفشل.
صرخ كاران:
— ألا تمنعني؟ ألا تطلب تأجيل الأمر؟
ما هذه البشاعة؟
هنا، وفي مثل هذه اللحظات، تُكتشف الأنفس وتبان النوايا. أتريد التخلّص مني من أجل توفير رغيف؟
ابتسم أهان وقال:
— ولماذا؟
لقد جاءتني أطياف من وحي الحقيقة وقالوا: إن متَّ، أربح برميل خمر معتّق.
وإن كسرتَ عظامك، إبريقٌ واحد.
وأنت واثق أنك ستنجو، أليس كذلك؟
أنا لن أخسر شيئًا، ورهانك على نفسك هو رهانك.
دعني أتفرّج عليك، فربما كان هذا أجري طيلة ضياعك.
سكت كاران، لوّح بيديه كمن ينتظر إشارة، ثم تمتم:
— ليكن رأيك كما تشتهي… قذرًا أو ساخرًا.
فقط كن شاهدًا صادقًا على أني أصبحت قديسًا… وأن الاختبار قد أُنجز، والشك دُفن في روع التجربة.
ضحك أهان ببرود:
— وما حاجتك إلى شاهد، وأنت واثق أنك ستصنع المعجزات؟
صدقني، أنت لا تؤمن… أنت تراوغ فقط.
هيا، اقفز. لقد أرهقتني بما فيه الكفاية.
أهان، مبتسمًا ببرود:
— ستأتي الأيام على كل ما جنيته لنفسك، وهو الحزن المبرر بالعبث.
قفز، وهو يحدّق بجاره، وكان يصرخ:
— الخلاص يبدأ من تضحيتي بنفسي يا أهان.
أخبر الأفعى أني تخلّصت من قمحها الذهبي لتبتلع الحقل كله. كم تسوّلتُ الشفقةَ منها ولم تستجب.
أنا حرّ، وسأغفو… أو أنا قديس يحكم الأفعى ويذلّها إلى الأبد المرسوم لي.
للحيرة أجلٌ، وقد جاء أجلها.
تهشّم جسده، لكنه بقي حيًا بلا حركة.
رفع رأسه بصعوبة، وهمس لنفسه:
— هكذا كتب لي… هكذا كان قدري.
لم أختَر السقوط، لكنه كان وحده الطريق لأفهم أنّ الخلاص لا يُمنح بلا مواجهة.
تمتم بصوتٍ متقطّع:
— لو صعدتُ على سطحك وألقيتُ بنفسي… كان أفضل بكثير.
على ما يبدو أن سقف بيتي تخمّر من الدعاء وارتفع أكثر، مزهوًّا بالبركة، وهنا كانت المعضلة.
نظر إليه أهان طويلًا، ثم قال:
— حتى السقف صار مذنبًا؟
أعدك، بعد أن تشفى، أن أضع سقف بيتي تحت تصرّفك لكي تموت آخر حجّة حمقاء في رأسك.
تنهد وأضاف:
— خسرتُ برميل النبيذ، ولا حاجة لي بزجاجة واحدة.
أطفأ غليونه:
— سأحضر طبيبًا، لعلّك تشفى.
لكن بعدها ستعمل معي في الحقل… وتتعبّد ليلًا.
أومأ كاران برأسه.
ومضى الأسبوع، وصار يرفع يديه سعيدًا بنجاته، دون أن يفقد درس السطح. أول ما فعله أنه تفقد مكان سقوطه، وكان سعيدًا لأنه وقع على كومة قمامة فحمت عظمه.
اطمأن أهان على صحة جاره، وتلفت إليه بصبره النافذ وقال:
— يا كاران: هل وصلت إلى ذاتك؟
حين يصير الممنوع مسألة وعي،
يصير المسموح نورًا ينبع من فهم الوعي.
نحن من ترابٍ واحد، وعطفي عليك لكوننا من التراب نفسه، حتى ولو اختلفنا في الطريق.
الإيمان لا يضيء الأحلام، ولا الأحلام تصنع خبزًا.
إن لم تمت من السقوط، لا يعني أنك خارج حسابات القدر القادم.
أول شيء عليك فعله أن تزرع القمح، وترى إن كانت السنابل تدعوك إلى الخجل.
حتى السنابل لم تسلم من وهمك.
دريسدن — طاهر عرابي




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات