-->
»نشرت فى : السبت، 28 فبراير 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

فائض الطمأنينة _ د.راوية عبدالله

"فائض الطمأنينة"


الاعتياد لا يسرق الأشياء…

بل يطفئ دهشتها.


الدفء بين الأيادي الذي ظنناه طبيعيًا…

يختفي فجأة كغيمة صيف،

فتنقشع صورة الاستقرار،

ونرتجف كأن الشتاء خُلِق للتو.


وكل ما اعتقدنا أنه دائم… يعلن عن غيابه بلا صخب.


المُتاح دائمًا، نظنه جزءًا من نظام العالم؛

لا فضلًا يُشكر،

بل اطمئنانًا لا يُسأل عن مصدره.


نحن لا نستهين بالنعمة قصدًا،

لكننا نؤجّل الامتنان.

ومع كل تأجيل صغير،

يتحوّل العطاء إلى إجراء،

والاهتمام إلى تفصيل،

والقرب إلى ضمان.


ثم يحدث الانسحاب.

لا صخب فيه،

ولا خصام…

بل استرداد هادئ لكرامةٍ أُنهكت بكثرة الاعتياد.


وهكذا… كل شيء يصبح سؤالاً؛

هل كنتُ أقدّر؟

أم كنتُ أطمئن أكثر مما ينبغي؟


فالاطمئنان المفرط شكلٌ خفيّ من الغفلة.

نعتقد أن الطريق لن يُغلق،

أن الصوت سيُجاب دائمًا،

أن اليد ستبقى ممدودة…

مهما تأخرنا عن الإمساك بها.


لكن الغياب لا يأتي ليعاقب،

بل ليكشف.

يكشف أن ما ظننّاه ثابتًا

كان "هديةً مؤقتة".


نحن لا نعتاد الأشخاص فقط؛

نعتاد الصحة حتى يختلّ الجسد،

ونعتاد الوقت حتى يسبقنا،

ونعتاد قلوبنا حتى نفقدها في زحام الطمأنينة.


بعض القيم لا تتجلّى في الحضور المستمر،

بل في الفراغ الذي يخلّفه الانقطاع.


هناك نفهم أن القرب ليس وعدًا أبديًا،

وأن العطاء ليس موردًا بلا حد،

وأن القلوب ما خُلِقت لتكون محطات خدمةٍ مفتوحة على مدار الغفلة.


احفظ دهشتك.

لا لأن الأشياء ستغيب حتمًا،

بل لأنك قد لا تكون الشخص ذاته حين تعود.


فالذي لم ننتبه إليه وهو بين أيدينا

قد يعود…

لكننا لا نعود كما كنّا،

وربما لم يعد هو أيضًا كما اعتدناه.


د.راوية عبدالله

 

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة أكاديمية النيل لعظماء الشعر والأدب 2014 - 2015