قراءتي الإنطباعية للققج ، للقاص المبدع الأستاذ حسن لختام _ امتثال محمد
"أسطورة الإنسان المتشظي والمزدوج الأمومة"
قراءتي الإنطباعية للققج ،
للقاص المبدع الأستاذ حسن لختام
بعنوان "هجرة"
عانى البؤس و القهر، ترك قلبه المدمى
مدفوناً في عمق الأرض، ورحل إلى غرب (كافر)
أطعمه من جوع وأمّنهُ من خوف..
و تغلغلتْ مبادئ التسامح و الود الصادق في أعماق الروح.
عندما عاد إلى الوطن كهلا ، وجدَ قلبه قد أينعَ
و صار حديقة غنّاء تعطّر المساءات الصيفية
لتلك البقعة المقدسة من الأرض.
لن أدخل في تفاصيل مملة حول الصياغة و غيرها و هذا برأيي ليس مهماً الآن ، علينا أن لا نؤجل الدهشة لوقت لاحقاً....
النص يحتاج لأكثر من قراءة كي يضيء:
القلب الدامي: يُترك مدفوناً في رحم الأرض الأصل(الجذور)
الروح والوعي الجريح و الجسد: يهاجرون هرباً إلى أرض أخرى.
الغرب هو الوطن الثاني لم يكن مجرد مأوى،
بل كان للمهاجر:
- (العاطفة).
- (الحماية و الأمان).
- (التغذية).
- (القيم الروحية و الإنسانية والأخلاقية).
هذه الأم البديلة منحته "مقومات البقاء"
وهو مصطلح وجودي عميق. أي أنها منحته أسباباً للحياة، و غرست في روحه قيم الجمال
التي أخذت تنمو و تكبر، و امتدت إلى جذوره...
و عادت فيما بعد عرفاناً و امتناناً و شكراً عبر الأثير لتعانق نسمات السمر في الوطن الثاني.
ما أقسى أن ينشطر الإنسان، نصفه في مكان ، و قلبه و جذوره في مكان آخر...
و ما أقسى غربته عن وطنه وفي وطنه.
هذا المهاجر الوجودي الذي دفن قلبه المدمى بكل ما فيه من جراح و ذهب طالباً ملاذاً آمناً أخذ ينهل منه الثقافة، النظام، القيم الإنسانية، الصدق،
حتى تغلغلت و تجذرت فيه و كبرت معه.
وعند عودته كهلاً، و جدها حديقة غناء و هنا كان الوحي تحت حروف النص ينتظر شرارة اللقاء
كيف حدث هذا و متى؟ أسئلة و جذور تبحث عن ضوء ،
هنا تصل القصة إلى ذروتها الميتافيزيقية:
الجسد يلتحم من جديد مع القلب
أي حبل سري كان يربطهما طوال سنوات الهجرة ؟
كيف مرت السنين؟ " هو في مكان و قلبه "جذوره" في مكان" من أطعمه من جوع و رواه من عطش و آمنه من خوف و موت و فقر و جراح" إنه وطنه الثاني ، هناك حيث الإحتواء
و الحضن الذي منحه الأمان و غرس فيه بذور الفرح و قيم الخير و الجمال.
"و من زرع خيراً لا بد أن يحصده"
في هذا الغرب عاش عمره بكرامة و أمان حتى صار كهلاً . هذا التأثير و التغيير حمله معه إلى الجذور.
(التقاء ثقافات و تنوع في العلوم و المعارف )
كل هذا صنع حدائقه العابقة بمختلف الزهور و العطور ، يسافر عبر الذكرى إلى الغرب مجددا
و تعانق عطوره نسمات الصيف حيث السمر و الفرح هناك...
تعود عبر الأثير إلى وطنها مثل المهاجر تماما تعود إلى من أرساها و رعاها و أحسن إليها..
عطور عابقة بالحنين و الإمتنان و الوفاء لتلك الأرض الغريبة، أمه الثانية التي منحته الكثير
و لا بد من رده للجميل وفاء و إخلاص بكلمة حق و ذكرى طيبة تملؤه .
غرب (كافر) وضع الكلمة بين قوسين هو أعظم تحوّل فلسفي في النص. الأقواس تُحيط بالكلمة ولكنها تُفسحُ لها مجالاً للتأويل. هي اعتراف بأن هذا الوصف قد يُقال، لكنه ليس الحقيقة الكاملة. الأقواس هنا تشبه حضناً يحتوي تناقضَ المهاجر: ذهنه يقول أو الآخرون "كافر" بسبب الفارق الثقافي والديني، ولكن قلبه يختبر شيئاً مختلفاً تماماً: الطعام، الأمان، التسامح، الود. الأقواس هي مكان الصراع الإنساني
بين المُعتقد والتجربة، بين الموروث والمُعاش.
الروح لا يمكن سجنها طويلاً في الجسد
بل لا بد أن تعود إلى وطنها الحقيقي
الإنسان حيث يجد الأمان و يعيش بكرامة واحترام يكون وطنه المقدس
والكائن المتشظي يعيش في أكثر من مكان، وينتمي إلى أكثر من حب، ويتنفس بأكثر من رئة
إضافة إلى معاناته لكنه لم ينس الإمتنان و الشكر . إنها القيم المغروسة في روحه
لم يكتفي بالشكر بل نقلها بأمانة، و بكل مشاعره إلى الآخرين إلى جذوره، و بثها عبر الأثير إلى العالم .
هذه ليست قصة نجاح أو فشل. هذه قصة حب معقدة، مقدسة، ومؤلمة بين الإنسان و أرض تحتويه. إنها ترنيمة للانتماء المتعدد، وتأبين للحب الواحد الذي لم يعد ممكناً. إنها تذكرنا بأننا قد نولد مرة من رحم ، لكننا نولد من جديد في كل حضن دافئ و كل فسحة أمان و رغيف خبز، و نحمل في أعماقنا حنيناً أبدياً لكل وطن ضمنا و عانقنا وربت على وجعنا....
الانفصال لم ينتهِ. بل صار أكثر رقياً.
العطور هي الذكرى، هي الروح الممتنة التي لا يمكن احتجازها بحدود الوطن.
القصة مؤثرة جداً. حولت الهجرة من قضية سياسية أو اقتصادية إلى قضية عاطفية.
ل تقول:
الجرح الأصلي (الجذور) هو الحبل السري الذي يربطه بالأم الأولى.
العطاء المُنقذ (الخبز والأمان) هو الإنتماء للأم الثانية.
وعندما يكبر، يكتشف أنه لا يستطيع العيش مع أمّ دون الأخرى. فيعود إلى جذوره، و تبقى روحه معلقة في الفضاء فيما بينهما.
تحوّل الرحلة من هجرة اختيارية إلى هجرة وجودية إجبارية. الإنسان لا يهاجر بحثاً عن الرفاهية، بل يهرب من الجرح الذي لا يطاق. ولكن، في لغة النص، هذا الجرح لا يُرمى، بل يُدفن. الدفن هنا ليس إنهاءً، بل إصرار على الإنتماء، القلب الدامي بذرة تنتظر الولادة .
لم تمنحه أرض اللجوء الطعام والأمان وحدهما . بل جاءت"مبادئ التسامح والود الصادق" لتكمل الصورة. لكن الكلمة المفتاحية هي "تغلغلت".
التغلغل: فعل بطيء، غير مرئي، يخترق الطبقات الواحدة تلو الأخرى حتى يصل إلى "أعماق الروح".
هذا يعني أن تأثير الأرض الجديدة لم يكن مادياً أو سطحيّاً؛ كان تحولاً جوهرياً في البنية الروحية للإنسان. لقد تغيّرت مادته الداخلية، أعادت صوغ روحه من دون أن تمحو جوهره..
القلب صار"الحديقة الغناء": التحول من الفردي إلى الكوني
مشهد مُذهل في دلالته:
-القلب لم يعد مجرد قلب: صار حديقة.
و الحديقة حياة، تنوع، جمال، ونظام. يمنح البهجة و الكثير من معاني الجمال و و ووو.....
- والحديقة "الغناء": الغناء هو الصوت، هو الموسيقى، هو الإشعاع الصوتي الذي يملأ الفضاء. القلب لم يعد عضواً صامتاً مدفوناً، بل أصبح مصدراً لنشيد الحياة.
"تعطر المساءات الصيفية": العطر حسي
تتمة النسخة
"تعطر المساءات الصيفية": العطر حسي غير مرئي ولكنه مؤثر، ينتشر في الهواء ويلمس كل من يمر به. المساء الصيفي هو وقت السمر واللقاء والهدوء والسكون. القلب-الحديقة لم يزهر لنفسه، بل ليُعطّر زمنَ وطنه الجميل، ليصبح من عناصر جماله ونعمته.
التماثل الخفي: "الغرب" و "البقعة المقدسة"
النص يخلق تماثلاً عجيباً دون أن يصرّح به:
-الغرب (كافر) أعطى: طعاما، أمانا، تسامحا، ودّا.
- القلب-الحديقة عند العودة يردّ العطاء: جمالاً، عطرا، غناءً، حياةً و مشاعر كبيرة تنشر البهجة
و تغير تلك النظرة الخاطئة.
الأرض الجديدةأعطت بلا حساب دون تسأله عن هويته و انتمائه .
فردّ المهاجر العائد، بأن حوّل قلبه المدفون في الأرض القديمة إلى مصدر عطاء معنوي ثقافي جمالي،
إنها دورة العطاء الكونية: أخذت من مكان لتعطي في مكان آخر. ليس هناك خسارة، بل تحويل للطاقة الإنسانية.
الهجرة كعملية "تطعيم روحي"
يمكن قراءة القصة كلها كاستعارة كبرى لعملية التطعيم (التركيب) في الزراعة:
-الأصل: هو القلب المدمى المدفون في الأرض الأم.
- الطعم: هو مبادئ التسامح والود التي جلبها من الغرب.
-النتيجة:هو القلب-الحديقةالهجين، الأقوى والأجمل والأكثر قدرة على الإثمار والعطاء.
الهجرة لم تكن قطيعةً، بل كانت عملية تطعيم حضاري، أخذت من قسوة الأرض الأم (البؤس والقهر) ورقة حضارية من شجرة أخرى (التسامح) لتخلق كائناً جديداً، أكثر مرونة وجمالاً وإنتاجاً.
هذه ليست قصة مهاجر عربي إلى الغرب. إنها قصة الإنسان في كل زمان ومكان:
- إنها قصة كل من اضطر لترك جرحه وراءه ليبحث عن شفاء .
- قصة كل من اكتشف أن الهوية ليست سجناً، بل يمكن أن تتسع لاحتواء تجارب جديدة دون انكسار.
- قصة التحول من الضحية إلى الفنان: من إنسان محطم إلى فنان صنع من قلبه حديقة تعطي وتعطر.
- قصة الاعتراف بأن "الآخر" قد يكون شريكاً غير متوقع في شفائنا، حتى لو بدا لنا غريباً أو "كافراً" في البداية.
النص يقول لنا: انظروا، حتى من أشد أنواع التشظي—تشظي الجغرافيا، والثقافة، والروح—يمكن أن تولد وحدة جديدة، وجمال جديد، وغناء جديد. القلب الذي يدفن هو الجذور التي لا تموت تنتظر قليلاً من الضوء و الماء
لتمتد و تصبح حديقة مليئة بالجمال .
هذه ليست قصة هجرة، بل هي رحلة إلى أعماق الروح البشرية وأسئلتها الأزلية: من أين نأتي؟ وماذا نأخذ؟ وإلى أين نعود؟ وماذا نعطي؟
التحول الجذري في الرؤية
من "الغرب الكافر" إلى "الأرض المقدسة" تحول في التوصيف من الرفض إلى التقديس
من علاقة نفعية (أطعمه من جوع وآمنه من خوف) إلى علاقة وجدانية (نسمات المحبة والإمتنان)
- الغرب لم يعد مجرد مكان مادي، بل أصبح أرضاً تحتضن وتزرع قيماً إنسانية
ثنائية الأمومة الرمزية العميقة:
الأم الأصلية (الوطن بالولادة): التي ترك فيها قلبه مدفوناً
الأم بالتبني (الغرب): التي "احتضنته بكل محبة وكانت أحن عليه من وطنه"
ديناميكية الإنبات والإثمار
آلية أكثر تعقيداً:
غرس القيم حدث في الغرب: "تغلغلت فيه كل معاني الإلفة والمحبة والأمان"
الإنبات والإثمارحدث في الوطن عند العودة إلى الجذور: "أينعت وأثمرت هنا في وطنه"
هذا يشير إلى:
- الهجرة ليست قطيعة
- ما نتعلمه في الغرب لا يزهر إلا عند العودة إلى الجذور
- التلاقح الحضاري يحتاج إلى رحلة ذهاب وإياب
الغرب كحاضنة وليس كهدف
الغرب لم يكن غاية في ذاته، بل وسيلة للنمو
- القيم التي زرعتها الأرض الجديدة (الإلفة، المحبة، الأمان) هي قيم إنسانية عالمية
- هذه القيم هي التي مكنت القلب من البقاء حياً والنمو
الغربة ليست كشرط للإثمار
تظهر مفارقة عميقة:
الإنسان يحتاج إلى الغربة لينمو
- لكنه يحتاج أيضاً إلى العودة إلى جذوره ليثمر (في التربة الأصلية)
- السر: أن ما زرعته الأرض الجديدة سبق عودته، وكان شرط بقائه على قيد الحياة
الهجرة كرحلة تحول
الرحلة لم تعد هروباً من الجوع والخوف فقط، بل أصبحت:
- رحلة اكتشاف الذات عبر الآخر
- عملية تلقيح ثقافي يثمر عند العودة
- اختبار للهوية التي تتجدد بالاحتكاك
الغرب كفضاء للإنسانية
-تحولت صورة الغرب من "الآخر الكافر" إلى:
- حاضنة للقيم الإنسانية
- وزرع القيم و المشاعر الإيجابية
- مساحة للتعافي والنمو
1. رحلة كاملة: ذهاب - تحول - عودة - إثمار
2. تحول في الوعي: من الرفض إلى القبول إلى الامتنان
3. تعددية في الانتماء: الإنسان يمكن أن يكون في أرض وتبقى جذوره في أخرى
4. استمرارية الحياة: رغم التشظي الجغرافي، تظل سلسلة الحياة متصلة.
الرسالة المركزيةالتي تبرز الآن: الهوية ليست معطى ثابتاً، بل هي عملية بناء مستمرة
تتغذى من مصادر متعددة. الغربة ليست فقداناً للهوية، بل قد تكون شرطاً لإغنائها. والأهم: الإنسان يمكن أن يكون ممتناً لأكثر من أرض، مخلصاً لأكثر من انتماء، لأن القلب الإنساني - كما تظهر القصة - قادر على الإستمرار و العطاء في أكثر من وطن.
امتثال محمد /سوريا




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات