-->
»نشرت فى : الاثنين، 9 مارس 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

عدسة في مرمى النار _ أيمن الصاوي


 قصة قصيرة 

عدسة في مرمى النار


كان عادل مراسلًا لإحدى القنوات الفضائية، أُوفد لتغطية الأحداث في غزة. ظنّ في البداية أن مهمته لن تتجاوز نقل بعض الأخبار العاجلة والتصريحات العابرة قبل أن يعود سريعًا، لكن ما إن وصل حتى أدرك أن الواقع هناك أشد قسوة مما تخيّل.

لم تكن حربًا عابرة، بل جرحًا مفتوحًا ينزف بلا توقف، القتل لا يهدأ، والدمار لا يمنح فرصة لالتقاط الأنفاس.

مع الأيام، أثقلت المشاهد قلبه،  فكّر غير مرة في الرحيل والعودة إلى بيته حيث الأمان، لكن شيئًا في داخله أبقاه هناك؛ ربما الواجب… وربما الضمير.

تغيّر معنى المهنة في عينيه.

لم يعد مجرد مراسل ينقل الصورة، بل صار جزءًا منها،

يقف في قلب الخطر، لا يحمل سوى كاميرا، ولا يملك درعًا إلا إيمانه بأن الحقيقة يجب أن تُروى.

في غزة، كان الموت حاضرًا كل لحظة، صواريخ بلا إنذار، وقذائف تمزّق السماء، وأزقة ضيقة مثقلة بالركام والدم،وسط ذلك الجحيم، ظلّ عادل يحمل كاميرته؛

عينًا توثّق القسوة، وتكشف وجوه أطفال تعلّموا الصمود قبل أن يتعلموا اللعب.


وذات يوم، قرب جدار مستشفى مدمّر، لمح طفلًا يصارع أنفاسه الأخيرة،

لم يتردد ، ترك الكاميرا أرضًا، وحمل الجسد الصغير بين ذراعيه، يبحث عن طبيب… عن حياة… عن معجزة.

لكن الموت كان أسرع.

سكن الجسد بين يديه، وتجمّد الزمن.


جثا على ركبتيه والسماء تمطر نارًا، والدموع تنساب على وجهه، التفت إلى الكاميرا الملقاة قربه، كانت ما تزال تعمل، رفعها بيدٍ مرتجفة، وثبّت العدسة على وجه الطفل الساكن، ثم على وجهه هو، وقال بصوتٍ مبحوح:

_ هذا هو البطل… ليس أنا… بل هو.

لم تمضِ لحظة حتى دوّى انفجار قريب، اهتزّت الصورة بعنف، وسقطت الكاميرا… لكنها لم تنطفئ.

استمرّ البث.

دخان كثيف… صرخات بعيدة…

ثم ظهر عادل ممدّدًا إلى جوار الطفل.

امتزجت دماؤهما على الإسفلت، وظلّت العدسة تبثّ الحقيقة…

حتى انقطع الإرسال.


أيمن الصاوي

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة أكاديمية النيل لعظماء الشعر والأدب 2014 - 2015