يكتنفها الشك _ يحيى محمد سمونة
يكتنفها الشك
في منتصف الشهر السابع "تموز" من عام 1980هل علينا شهر رمضان المبارك وأنا أمضي خدمتي الإلزامية. وبناء على تعليمات الإدارة العامة للجيش والقوات المسلحة، كان فوجنا على موعد في هذا الشهر الفضيل مع مشروع تكتيكي
لست أعرف سببا لاختيار هذا الوقت للقيام بمشروع تكتيكي كان يقبل التأجيل إلى مابعد رمضان، لكن العلمانية في بلدنا الحبيب سورية كانت - آنذاك - وحدها تقبض على زمام الأمور وتسعى إلى اقتلاع جذوة الإيمان من قلب كل مواطن سوري
بشيء من تثاقل أعددنا العدة، وامتطينا آلياتنا منطلقين خلف عربة القيادة نسير دون معرفة منا لوجهتها !
العتاد والآليات العاملة في فوجنا كانت روسية الصنع، متهالكة، كأنها تحمل بصمات من الحرب العالمية الأولى أوالثانية، وربما قبل ذلك
في تمام العاشرة صباحا انطلق موكب مشروعنا الميمون، وكنت قد سألت طاقم محطتنا ما إذا كانوا صياما؟ فكان الجواب بلفظ واحد: الحمد لله؛ شعرت عندها براحة نفسية تتغشاني، كنا جميعا - طاقم المحطة - على تقارب في العمر والفكر والملة والدين، وهذا مما يبعث على ارتياح وهدوء نفسي لدي
بعد مايقرب من ثلاث ساعات مسير توقفت عربة القيادة وسائر الرتل عند نقطة تفتيش تابعة للشرطة العسكرية، حيث أبرز ضابط الرتل لنقطة التفتيش ورقة المهمة التي في حوزته وفيها بيان الوجهة وعدد الآليات وكل شيء بالتفصيل - كانت ورقة موقعة من رئاسة هيئة الأركان العامة -
لم نعلم حيثيات ما جرى عند نقطة التفتيش من كلام بين قائد الرتل ورئيس تلك المفرزة، لكنه لم يتم السماح لآلياتنا بالتحرك، واستغرق الأمر ساعتين أوأكثر، فيما كنا نتلظى تحت حر الشمس [عندنا في حلب يقول المثل"تموز تغلي الماء بالكوز" - الكوز: إناء فخاري مفلطح من الأسفل وله عنق طويل، يطيب شرب الماء به أيام الحر الشديد فهو يبرد الماء وفق خاصية الترشيح -]
كانت الانقلابات في سورية بعد انتهاء الانتداب الفرنسي عليها كثيرة جدا وأبطالها كلهم كانوا من العسكر، لذا نجد أنه منذ استلام الأسد الأب سدة الحكم، عمل على وضع المؤسسة العسكرية كاملة تحت إبطه، وبهذا يمكننا تفسير المراقبة الدقيقة لأي تحرك عسكري على الأرض السورية مهما قل شأنه
بشيء من تذمر سألت طاقم المحطة: ترى ما سر هذا التوقف الطويل المرير؟! قال أحدهم بشيء من سخرية: يبدو أنه تشكلت لدى المفرزة هنا مخاوف من أن فوج الإشارة بتحركاته هذه يخطط لأمر ما، وأن المفرزة إرتابت من ورقة المهمة التي يحملها ضابط رتلنا.. وما لبث المتكلم أن أطلق بضع قهقهات كناية عن استهزاء
- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا
إشراقة شمس 127




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات