فراغ القطار _ طاهر عرابي
"فراغ القطار"
قصيدة رمزية وفلسفية
للشاعر طاهر عرابي
كُتبت في دريسدن – 05.03.2026
1
على الورق أرى نفسي مهمومًا،
الخطوط عرجاء،
والحروف زخارف مستعارة،
تتلوّى السطور غافلة عن معناها،
والغراب ينعق ليكتب موسيقاه بفرح،
ودنين الذباب
حرب خاسرة الصدى،
الخائب بلا لغة.
مع السكينة،
كل شيء يطالبني بالفهم،
والفهم تجارة
مثل تقلّب الحبر في قلم،
قلم الرصاص سخيف،
يخوض معركة خاسرة
مع الممحاة التي تمحو بلا رحمة.
أحببت أن أكون أحمقًا،
فأدخلت الإبرة بالخيط،
ورقّعت تفاحة عضّها النمل،
وتأوّهت مثل شفتي من العطش،
وأنا أبلّل الخيط.
قضيت ساعة أتأمّل بروعة الفكرة،
حتى عاد النمل وحمل الرقعة.
قلت: خسارة.
خيط مطرّز ليخفي الجرح.
والفهم مسألة تتعلق بحجم الغباء،
عند النمل،
من دفعني للفهم سوى غبائهم؟
كيف فضّلوا الرقعة على التفاحة؟
تخفّوا تحتها مثل القبعة،
سعداء تخلصوا من هول القضم،
صنعوا التجديد من خيوطي دون أجر،
ومشوا.
ما أجمل رقعتي التي صارت سلحفاة النمل.
2
مرت السنين، والنمل يتوارث القبعة،
وأنا أتحسّر.
في أول يوم دخلت المدرسة كنت أحمق،
وفي آخر يوم تخرجت من الجامعة
أحببت أن أكون أحمقًا.
أقف على عتبة الشقاء
كفرس سباق،
يركض نحو لا شيء،
سوى عمر يصفّق له الخاسرون.
تفقدت النمل تحت القبعة،
كان جيلًا نسي القصة…
ذكرته فارتعب وأخرسني،
فلا شوق للحقيقة
إذا عبرتها الأجيال المنسية.
قالت جدّتي وقتها:
أراك تصرّ أن العبث لا يمحوه الفهم،
ما أصعب زيف الكلمات في أفق محموم،
كان لي وعد بالقراءة، فتركوه يحترق،
وصرت لغة الرماد،
حروفها إن نطقت
لا تعني سوى أني خرساء.
وجدتِ—يا جدّتي—
في الخرس حروفًا؟
نهرتني وقالت:
كل الحروف خرساء،
نحن من نحرّكها
لتدب فيها الحياة،
تؤلفنا ولم نصل بها
إلى روضة الروح.
هل تسبح في نهر لا نبع له؟
سيجفّف جلدك،
والماء حزين لموت الجريان،
وتصير الحروف
كرمل الضفّتين إن طحنها الغضب
3
يا جدّتي، الكل خاسر،
تعالي نغلق باب المدرسة،
ونرسل المعلّم ليجلب الماء،
نسقي معه شجرة الشوك عند الباب
ربما تلين الأشواك خجلًا
وربما يطفو النمل على وجه الماء
ليظهر العطش
مثل حاسة السمع.
أشعر بسعادة العطش،
وسعادة النمل، وسعادة التفاحة،
بعد أن اقتنعت أن للتفاح نوافذ
يصنعها النمل للسعادة.
أفرّ من المقاعد
ومن أزيز الطباشير،
وأرى كتابًا بحروف كبيرة
لطفل يظنّون أنه أعمى.
لست أعمى، يا جدّتي،
أنا من رأى النمل يتوق للفهم.
أدور في المدرسة
حلقة مفرغة،
مثل غبار ينفضه المعلّم
بعد مسح اللوح الخبيث.
وضع نملة بريئة
خلسة في جيبه،
فقضمت الغبار العالق بيديه،
وقال إنه بريء من المعرفة.
4
وتخرّجت مهندسًا،
وتذكّرت جدّتي
وأنا في الصف الأول،
وهي تحمل المصباح،
تلمع القبعة فوق الطاولة،
والنمل يزحف بين الحروف،
وأنا أكتب: سافر القطار.
أفاقت وارتعبت
وألقت المصباح،
فصارت العتمة أثقل من أن تُرى،
واختفى الدفتر،
وانزلق القلم من يدي.
قالت: من سافر يا ولدي بالقطار؟
دون أن يودعنا؟
قلت: الجميع يا جدّتي…
وأنتِ وأنا باقون هنا،
نجمع الحروف
ونضع السكة
لقطار آخر لا نركبه.
ولا يركبه النمل.
الصفير يرحل مع القطار،
وتبقى الحروف.
كتبت على لوح آخر
محاضرة،
كانت جدّتي تقول:
“النمل رحلة الوجود”،
فتعلّمت شكر القبعة،
وعرفت أن الحروف أحيانًا
هي كل ما يبقى،
حتى ولو جرّها النمل إلى الصمت.
دريسدن- طاهر عرابي




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات