مقبرة الذكريات _ مرزوق عوض الدرك
(مقبرة الذكريات)
ألا يا رفيقَ الدربِ إنَّ مسيرَنا طويلُ
نُساقُ بهِ بينَ الأسى والأملِ الضئيلِ
نُخبِّئُ في أعماقِنا ألفَ حسرةٍ
ونمضي، كأنَّ الصبرَ زادُ الرحيلِ
دفنتُ جميلَ العمرِ تحتَ ثرى الأسى
فصارَ على صدري كصخرٍ ثقيلِ
حملتُ همومي فوقَ ظهري صلابةً
فما انحنى ظهري ولا ملت ميل.
سرتُ ظمآنَ بصبرها كالجِمالِ
بدربٍ طويلِ الخطوِ قاسي السبيلِ
وتركتُ غبارَ الدهرِ فوقَ كتفيَّ
كشالٍ عتيقِ النسجِ باقٍ الأثيلِ
وقلبي وإن خطَّ المشيبُ جبينَهُ
شبابٌ، ولكنَّ المسيرَ عليلُ
وأدركتُ أنَّ الدهرَ وهمٌ مبدَّدٌ
وأنَّ رجوعَ الوعيِ بعدَ الذهولِ
سرينا وراءَ القدرِ دربًا مُتيَّمًا
نفتِّشُ في الفجرِ البعيدِ عن الدليلِ
ولا ندري: أمُسيَّرونَ بحكمِهِ
أمِ المرءُ حرٌّ في اختيارِ السبيلِ
وحرُّ الليالي مثلُ قيظِ الظهيرةِ
إذا غابَ ظلُّ الودِّ بينَ الخليلِ
فإن صارَ صحبُ القلبِ شجرًا بلا ندى
فما ظلُّهُ يُغني فؤادَ العليلِ
فالدهرُ لا يُبقي ودادًا لصحبهِ
ولا يعرفُ الإحسانَ وقتَ الأفولِ
إذا جاءَ خريفُ العمرِ جفَّ غصونُهُ
وما عادَ غصنُ الرجاءِ يميلُ
كأنَّ امرأً عاشَ الحياةَ بلا جذورٍ
كغصنٍ تُلاعبُهُ رياحُ الأصيلِ
وكم مرَّ يومٌ ظنَّهُ القلبُ مُقبِلًا
فأضحى كحلمٍ عابرٍ مستحيلِ
نطاردُ ظلَّ الأمنِ في كلِّ خطوةٍ
ويهربُ منَّا مثلَ طيفٍ خجولِ
رأينا الوجوهَ اليومَ غيرَ وجوهِنا
كأنَّ الذي فيها قناعُ الذليلِ
فكم صاحبٍ صافيتُهُ زمنًا مضى
تبدّلَ مثلَ الريحِ عندَ التحوُّلِ
وكم وعدٍ في القلبِ كانَ مُضيئًا
تلاشى كما يبهتُ نورُ الفتيلِ
وها أنا لا أهوى حديثًا ولا صدى
وأعجبُ من فعلِ الزمانِ المهولِ
أرى الناسَ تمضي في الدروبِ كأنَّها
غبارٌ يسيرُ معَ هبوبِ القبولِ
ولكنَّ في صدري يقينًا بأنَّنا
سنحصدُ بعدَ الصبرِ خيرَ المحصولِ
ففي الصبرِ سرٌّ لو علمنا عميقَهُ
لصارَ لنا في كلِّ ضيقٍ دليلِ
وإن طالَ ليلُ الحزنِ يومًا بوحشتِهِ
سيشرقُ بعدَ الليلِ فجرٌ جميلِ
ويبقى الذي في الصدرِ قبرُ ذكرياتٍ
ولكنَّهُ بالصبرِ يُصبحُ نبيلِ.
بتاريخ 11/3/2025
بقلم الشاعر مرزوق عوض الدرك




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات