-->
»نشرت فى : الأحد، 22 مارس 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

الدانوب… بين الواقع والحلم _ أحمد عبيدات


 الدانوب… بين الواقع والحلم

بقلم أحمد عبيدات

على ضفاف نهر الدانوب، يبدأ كل شيء… كهمسٍ خافتٍ، كأن الزمن نفسه يتنفس برفق.

الماء ينساب… لا يجري فقط، بل يرقص، يلوّن الهواء بألوان الماضي والحاضر، يهمس للمدينة، للأشجار، ولقلبي الذي يخطو بخفة، خائفًا… ومفتونًا.

في الغابة السوداء، كان النهر طفلًا يلتقط أنفاسه الأولى،

وأنا، كطفلٍ آخر، أمدّ يدي، أسمع صدى قلبي في خفقات الماء، أضحك مع كل موجة، وأتعلم لغةً لا يعرفها إلا من يغمض عينيه ويستمع…

الهمسات تصبح موسيقى… والموسيقى تصبح حلمًا.

في النمسا، عند فيينا، لم أرَ مباني، بل شعرتُ بأن المدينة تعزف:

كل نافذة وتر، كل باب صفير… كل شيء يغني مع النهر، وقلبي يرقص معهم.

النهر لم يعد مجرد ماء… بل أنغام، وأنا جزء من السيمفونية.

في سلوفاكيا، جلستُ مع براتيسلافا… نهمس في صمتٍ طويل،

نتبادل قصص الأشجار، والبيوت القديمة، وأحلام لا تنتهي.

النهر هنا يضحك برفق، يمرّ بين المدينة والقلوب… يعلّمنا الصبر، والهدوء، والحياة بين الأنفاس.

في المجر، حين رأيت بودابست، شعرت أن المدينة تبتسم للنهر، والنهر يبتسم لي…

كل جسر يمرّ عليه النهر كان نغمة، وكل ضفة كانت لحنًا.

الرحلة هنا لم تعد انتقالًا بين أماكن… بل عبورًا بين حالاتٍ وقلوب.

في كرواتيا وصربيا، صار الدانوب أكثر عمقًا، أكثر حكمة…

الصمت الذي يتركه وراءه أكبر من أي صوت.

وعند بلغراد، حيث يلتقي النهر برافديه، شعرت أن اللقاء الحقيقي ليس في الماء… بل في من يفهمك بدون كلمات.

في رومانيا وبلغاريا، مشيتُ بلا خطوات، كنتُ أنساب مع التيار…

وأدركت أن الزمن يسير على ضفافه ببطء، كشيخٍ حكيم، يحمل ذاكرةً أثقل من كل الخرائط.

حين لامستُ مولدوفا وأوكرانيا، كان النهر يودّع نفسه… كما نودّع أحلامًا قديمة،

قبل أن يغوص أخيرًا في حضن البحر الأسود.

كل شيء توقف… أو اكتمل… أو ربما بدأ للتو.

ووقفت طويلًا… لا أتكلم… لا أتحرك…

كل لحظة هنا تُغني بلحنها الخاص، كل موجة تُداعب قلبي، كل نسمة تحمل سرًّا لم يعرفه أحد من قبل.

وعندما فتحت عينيّ، لم أجد ماءً، ولا ضفافًا، ولا مدنًا…

وجدت نفسي… قلبًا ينبض بالحنين، بالدهشة، بالسلام.

وعرفت، بابتسامة خافتة، أن كل ما سرت فيه، كل المدن، كل اللحظات…

لم يكن سوى حلمٍ…

حلم صغير، ناعم، دافئ…

لكنه، من أجمل الأحلام في حياتي كلّها.

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة أكاديمية النيل لعظماء الشعر والأدب 2014 - 2015