العالم يمضي بدونه _ د. أشرف مبارك
العالم يمضي بدونه
قصة
د. أشرف مبارك
عاد في يوم صاف خرج من خلف ذاكرة قلب الغيوم ومن صفحات الخريف. يوم من أيام الضنك التي تمرّ على البلاد كجرح مفتوح لا يندمل. أيام لا يجد الناس فيها مالا في المصارف، ولا قدرة على استعادة أموالهم منها، وقد صارت طوابير البنوك أطول من طوابير المخابز، والمخابز أطول من صفوف السيارات في محطات الوقود. في تلك الأيام، كان رغيف الخبز أثقل من الكرامة.
مدّ يده النحيلة نحو الباب، يدٌ شاخت حتى صارت كغصنٍ نجا من ريحٍ طويلة. وحين فُتح الباب، وقفت في وجهه امرأة. كان يعرف ملامحها، غير أن الحزن في عينيها صار أقدم من التجاعيد، وأثقل من الملامح. غزا الشيب مقدّمةَ رأسها كما يغزو الصمتُ البيوتَ المهجورة. كانت على يقين من عودته.
قالت بصوت متماسك، تعلم الصبر قسرا:
— أخيرا عدت.
ردّ متجنبا النظر إلى عينيها:
— تأخرتُ… كثيرا.
قالت:
— لكن عدت.
في يدها رضيع يتململ، يحمل رائحة اللبن الدافئ. شيء وحيد ما زال طبيعيا في هذا العالم المختل. قالت برفق فيه حنان الأمهات:
— سبطك.
توقّف الزمن لحظة. رفّت الذكريات مثل طيرٍ مذعور.
— تزوجت ابنتُنا؟
— أيوه… من ابن أختك. أختك عايشة معانا من يوم غيابك ووفاة زوجها.
— توفي زوجها؟
— في الجنوب
وانساب الصمت بينهما، يقلب صفحاته دون استعجال. لم تسأل: أين كنت؟ ولا لماذا ذهبت؟ فالأعوام الطويلة كانت قد وأدت أسئلتها. والبلد كله كان غائبا وليس دائما الغياب اختيارا.
دخل البيت الذي يعرفه قديما، فاستقبله كغريبٍ مألوف. لم يكن بينهما سوى وقفة على العتبة، وصمت كثيف يلمّ أطرافه، وطفل صغير يناغي في حضن جدٍّ لم يعرفه. مدّ الطفل يده الصغيرة، أمسك بطرف جلبابه، وشدّه دون قصد. ارتبك الرجل، واضطرب قلبه كما لو أمسك الصغير بطرف عمره.
...
كان شابا يوما، تهتز الأرض تحته كلما ضحك. قلبه واسع كفضاء بلا سقف، يتّسع لأحلام كثيرة، لا تقاس بسعر الدولار، ولها… هي وحدها. كانت حلمه ويوم تزوجها طار عقله بها ورقص قلبه فرحا. كان البيت يفيض بالضحك والمرح، والأيام تتدحرج خفيفة كرة من فرح في ساحة مفتوحة. يعود مبكرا، يجلسان أمام التلفاز، يشاهدان السهرة حتى تغفو المدينة قبل منتصف الليل بعد انقضاء الإرسال التلفزيوني على صوت أنفاس مطمئنّة.
غير أنّ كأس الليل بدأت تُطوِّق قلبه تدريجيا. مجالس النادي تسحبه، فيعود آخر الليل بقنينة فيها ما تبقى من النبيذ مخبّأة في كمّ الجلباب، يظن أنه يخفيها عن الناس، بينما رائحتها تسبقه، وكان يظنها سرا صغيرا لا يُكتشف.. لم تكن تنصحه كثيرا. كانت تعرف أن العناد له جذورٌ أعمق من الكلام. وحين ضاقت بها السبل قالت له، بهدوءٍ متعب:
— إذا ما قادر تبطل، على الأقل اشرب هنا… مستور، بدل البهدلة في الشارع.
كان يَعِد… ويُخلف. يغلظ الأيمان… ولا يصدُق.
وحين أعلنت الحكومة قوانينها حسب الشرع، وسقطت الخمر في اللائحة السوداء، ظنّت أن السماء فتحت لها نافذة الحل. جلس معها أياما، لكن العادة أقوى من القوانين، وأخفّ من الوعود. فقد عرف طريقه إلى الإندايات الخفية والعرقي والمريسة.
صار البيت هو الإنداية. يأتي بها مخبأة إلى البيت بخطوات متسارعة وعينين تتجولان في كل ناحية من الطريق. وهي شاهدةٌ وصابرة. حين كانت تجده مخبّئا قنينته، ترفعها وتفرغها في المرحاض. يثور، يسبّ، ويعود بزجاجةٍ جديدة. وحين يسكر… تمتد يداه عليها، يثور ثم ينهار. لم تكن تبكي؛ كانت تتشبّث بما بقي من البيت.
كان حين يسمع خرير السائل وهو يختفي في جوف المرحاض، يشعر كأن شيئا منه يُسكب هناك.
لم يكن الغضب وحده ما يشتعل في صدره، بل خوفٌ لا اسم له. كان يخاف من الصحو أكثر من السكر. كان يخاف أنه لن يستطيع النوم وأنه سيتقلب في فراشه طوال الليل وتتناوشه الهواجس والكوابيس. لماذا لا أستطيع أن أكون مثل الآخرين؟ كان يقول ذلك في سرّه، ويخاف من السؤال نفسه.
كان يعرف — في تلك اللحظات النادرة من الصفاء — أن الزجاجة ليست السبب، بل الملجأ.
وأنه كلما أفرغتها، أفرغت معه وهما كان يحمله: أنه ما زال صالحا للحياة.
قُبِض عليه مرة وعوقب بالجلد ولم يرعو. الجلد لم يؤلمه كما ظنّ. الألم جاء حين نظر في عيون الناس بعد ذلك. لم يرَ كراهية، بل شفقة. قال في داخله:
أنا لست سكيرا… أنا زائد عن الحاجة. وحين عاد إلى البيت تلك الليلة، لم يشرب ليحتفل، بل ليختفي. في الصباحات التي كان يستيقظ فيها بلا صداع، كان يكره نفسه أكثر. الصحو كان يجبره على النظر في المرآة. والرجل الذي في المرآة لم يكن عدوه، بل شاهدا. شاهدا على كل ما لم يكن شجاعا بما يكفي ليكونه. وكان يعود إلى السكر. فليصمت ذلك الشاهد. يعاقبه بكأس جديدة
تغيّر البلد. ثار الناس، وتكسّرت الأصنام، وتبدّلت الوجوه. وانقلب العسكر وطالت اللحى وذهب قوم وجاء قوم. والخيبة ظلت كما هي. وقُبض عليه وجُلد، لكنه لم يتغيّر. صار يعود مترنّحا، يجرّ خلفه رائحة الهزيمة. صار البيت ضيقا ليس بجدرانه لكن بأسئلة تحوم حوله. كان يشعر أن البيت يمشي بدونه والبلد تمشي بدونه،
وأنه واقف في طريقٍ مرّ به رفاق وخلان وهو واقف لم يزل .. حين تفرغ قنينته في المرحاض، كان يشعر أنها تفرغ ما تبقى منه. يثور، يضرب، ثم ينهار. أحيانا يبكي في الصباح ويعتذر، وأحيانا يختفي أياما. ترك عمله، وهام على وجهه لا يعرف فيها أحدٌ طريقا لعقله.
كان الناس يرونه في أماكن مختلفة لكنه لم يكن واعيا أبدا.
بحثت عنه وعرفت مكانه لكنها لم تعده. كانت من بعيد تمده بما يتيسر ليعيش لا ليشرب السم الهاري كما كانت تقول.
نسي كل شيء.
أحيانا يطن على مسامعه صوت أخته — خلي البهدلة دي وشوف حال بتك ومرتك.
مرت الأعوام. اندثرت ملامحه في الزحام… ثم عاد.
وجلس في زاوية الحيّ كتمثال نحتته الحكايات القديمة. الناس، بلطفهم المعتاد، نسوا عربدته، وصاروا يذكرون مناقبه: كرمه القديم، ضحكته في شباب نسي ملامحه.
وحين استبدّ المرض به، بدأ جسده ينسحب من الدنيا شبرا شبرا. كان الطفل يزحف قرب فراشه، وغير بعيد كانت أخته وابنته يراقبانه. كان الطفل يحاول أن يقف يستند ممسكا بحافة السرير.
يتوقف أحيانا، ينظر إليه طويلا، فيشيح بوجهه.
ابنته التي تركها طفلةً اشتغلت، وقامت على البيت مع زوجها. أما زوجته — التي كاد الزمن يكسرها — فلم تهجره يوما، حتى حين هجر هو كلّ شيء.
وفي ليلة انطلقت فيها نار البنادق والمدافع، كانت روحه قد بلغت حدودها الأخيرة، فأغمض عينيه وترك العالم يمضي بدونه، لكن المرأة التي انتظرته كانت ما تزال هناك، تمسك بطرف الحكاية كي لا تسقط—حتى النهاية.




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات