-->
»نشرت فى : السبت، 28 مارس 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

أطفال الحارة الأخيرة _ عبد الله الهوز


 أطفال الحارة الأخيرة
بقلم : عبد الله الهوز 

إلى الذين يموتون كل يوم

ولا يجدون من يكتب وفاتهم

لأن الورق غالٍ

والحبر أغلى

في حارتنا

حيث تنتهي المدينة

وتبدأ القبور

رأيتُ طفلاً

يأكلُ الترابَ

ويقولُ لأمه:

لماذا هو مالحٌ يا أمي؟

لماذا لا نضعُ عليه سكراً

مثل جيراننا الأغنياء؟

قالت الأم:

يا ولدي

الترابُ الذي نأكله

هو ترابُ أجدادنا

وهم كانوا

يأكلون الترابَ أيضاً

ولهذا هو مالحٌ

من دموعهم

التي لم تجفْ

منذُ

عامِ المجاعةِ الأولى.

والطفلةُ سعادْ

تبيعُ ظلها

على قارعةِ الطريقْ

تصرخُ:

ظلِّي للبيعْ

ظلِّي للبيعْ

من يشتري ظلي؟

لأني لم أعدْ

أحتملُ

وزنَه

على بطنيَ الخاوي.

يمرُّ الأغنياءُ

لا يشترونَ

يقولونَ:

الظلُّ

لا يُؤكلْ

لا يُشربْ

لا يُلبسْ

لا يُدفئْ.

تبكي سعاد:

لكنَّ الجوعَ

يأكلُ ظلي

قبل أن يأكلني

فدعوهُ

يأكلُني

أريحْ.

في حارتنا

الموتى

أغنى من الأحياءْ.

لأن الميتَ

يُكفَّنُ

بقطعةِ قماشٍ واحدةْ

أما الحيُ

فلا يجدُ

ما يسترُ

غيرَ

خزيهِ.

والأغربُ

أن الموتَ

هنا

أرخصُ من الخبزْ.

رغيفُ الخبزِ

بألفِ ليرةْ

وجوازُ السفرِ إلى الموتِ

بلا ليرةْ.

لهذا

كثُرَ المسافرونَ

في حارتنا

ولم يعدْ

ثمةَ مكانٌ

للموتى الجددْ

في المقبرةِ العموميةْ.

سألتُ شيخَ الحارةِ:

لماذا لا نثورُ؟

قال:

على من نثورُ يا ولدي؟

على الجوعِ؟

الجوعُ

ليس له عنوانْ

ليس له جيشْ

ليس له رئيسْ

ليس له

مخابراتْ.

الجوعُ

فنّانٌ ماهرٌ

يرسمُ على بطونِ أطفالنا

لوحاتٍ

أجملُ من لوحاتِ دافنشي.

ويعلّمُ أمهاتنا

كيفَ يخلقْنَ

من كأسِ ماءٍ

وملعقةِ سكرٍ

وجبةً كاملةً

تسمى:

"عشاءُ الأملْ".

ضحكتُ حتى بكيتُ.

قال الشيخ:

هذا أولُ دروسِ الثورة:

أن تبكي

حين تضحكْ

وتضحك

حين تبكيْ.

والليلُ في حارتنا

طويلٌ

طويلٌ

كالطابورِ

الذي لا ينتهي

أمامَ المخبزِ

الذي لا يفتحْ.

أطفالُ الحارةِ

يتعلمونَ العدَّ

على أصابعِ الجوعِ:

هذه إصبعُ الأبِ

الذي هاجرَ

هذه إصبعُ الأمِ

التي تنتظرُ

هذه إصبعُ أخي

الذي نامَ

ولم يستيقظْ

هذه إصبعي

أنا

وهي

أصغرُ من أن تعدَّ

أكبرُ من أن تُطعمْ.

جاءَ التلفزيونُ

ليصورَ حارتنا.

قال المذيعُ:

هذه لقطةٌ حيةٌ

لفقرٍ مدقعٍ

في إحدى ضواحي العاصمةْ.

ثم انتقلَ

ليصورَ

افتتاحَ مطعمٍ جديدٍ

في الحيِ الراقيْ.

يقدمُ المطعمُ

أطباقاً

بأسماءِ أطفالِ حارتنا:

طبقُ "سعاد"

بثلاثمئةِ دولارْ

وطبقُ "أحمد"

بخمسمئةْ

وطبقُ "فاطمة"

الأغلى

لأنها

تبيعُ ظلها

منذُ ثلاثِ سنواتْ.

ضحكنا

كلنا

ضحكنا.

لكن ضحكتنا

كانتْ

أعلى من صوتِ المذيعْ.

فأمرَ بإيقافِ التصويرِ

وقال:

هؤلاءِ

لا يصلحونَ

للتلفزيونْ.

ضحكُهم

يخربُ

نسبةَ المشاهدةْ.

في حارتنا

الكلابُ

تأكلُ

بقايا الطعامِ

من مطاعمِ الأغنياءْ.

أما نحنُ

فنأكلُ

بقايا الكلابْ.

ليس عيباً

يا سادةْ.

العيبُ

أن الكلابَ

تأكلُ

قبلنا

وبعدنا

ودوننا

وفوقنا

وعن يميننا

وعن شمالنا

وتقولُ لنا:

أنتم

أصدقائي

منذُ

أن خلقَ اللهُ

الرغيفَ

والإنسانْ.

سألوني:

لماذا تكتبُ عن الفقرِ

ولا تفعلُ شيئاً؟

قلتُ:

أنا أكتبُ

لأن الكتابةَ

آخرُ ما تبقى

من الكرامةِ

في حارتنا.

الكتابةُ

هي الرغيفُ الوحيدُ

الذي لا ينفدْ.

هي الماءُ

الذي لا ينضبْ.

هي النافذةُ

التي لا يُطليها

أحدٌ

بالأسمنتِ

والخوفْ.

الكتابةُ

هي

أن أقولَ

لطفلٍ يأكلُ الترابَ:

أنا

رأيتُكْ.

أنا

سأكتبُ

أنك

أكلتَ الترابَ

وأن الترابَ

كان مالحاً

من دموعِ أجدادِكْ

الذين

أكلوا الترابَ أيضاً

وكان مالحاً

من دموعِ

أجدادِ أجدادِكْ

وأخيراً

تعلمتُ

أن الفقرَ المدقعَ

ليس

أن لا تملكَ

بيتاً

ولا خبزاً

ولا ماءً.

الفقرُ المدقعُ

هو

أن تموتَ

ولا يعلمُ أحدٌ

أنك متَّ

لأن الجميعَ

مشغولونَ

بموتهم

الخاصْ.

الفقرُ المدقعُ

هو

أن تولدَ

وفي جيبكَ

بطاقةُ وفاةٍ

مسبقةُ الدفعْ.

الفقرُ المدقعُ

هو

أن تصيرَ

أكلةَ ترابٍ

من الدرجةِ الأولى

وأن تظلَّ

تضحكُ

وأنت

تأكلُهْ.

أطفال الحارة الأخيرة

لمن يأكلون التراب

ولمن يبيعون الظل

ولمن لا يجدون من يكتب وفاتهم

لأن الورق غالٍ

والحبر أغلى

والموت

أرخص

عبد الله الهوز

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة أكاديمية النيل لعظماء الشعر والأدب 2014 - 2015