-->
»نشرت فى : الأحد، 15 مارس 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

انطباعية وجدانيةلنصي : تمتمات القدر _ فداء احمد


 انطباعية وجدانيةلنصي : تمتمات القدر

بقلم الدكتورة والأديبةالقديرة القارئة الفذّة: فداء احمد 


تمتمات القدر


هناك نصوص نقرأها بعين العقل، ونصوص أخرى تتسلّل إلى القلب قبل أن نفهمها… وهذا النص من تلك النصوص التي لا تُقرأ بقدر ما تُعاش.


وأنا أمضي بين سطوره شعرت كأن الكلمات ليست حروفاً على الورق، بل نبضات حقيقية تُلامس وجداناً مثقلاً بما رأى من وجع هذه الأرض. منذ اللحظة الأولى، حين أُعتق اليراع خلف الحجاب، بدا لي كأن الشاعر لا يكتب… بل يفتح نافذة في جدار الصمت، لتخرج منها أرواح الكلمات وهي ترتجف بين الألم والرجاء.


الغراب الذي يحوم فوق سيمفونية الموت لم يكن مجرد صورة شعرية، بل ظلّاً كثيفاً لسنواتٍ طويلة من الفقد. لكن الدهشة التي أوجعتني وأضاءتني معاً كانت في حضور الأطفال… أولئك الذين “رضعوا الصيام بعد الفطام”. هنا شعرت أن القلب يتوقف لحظة، لأن الصورة لا تصف طفولةً فحسب، بل تختصر حكاية جيلٍ كامل كبر قبل أوانه، ومع ذلك ما زال ينتظر العيد… ينتظره كما ينتظر القلب نافذة ضوء في ليلٍ طويل.


ثم يبدأ النص بالتحوّل العجيب… كأن الحياة نفسها قررت أن تتمرّد على الموت. الطيور تكسر أجنحة القتل، والمطر يغسل قلوب الغزاة، والحقول تعود لتتنفس بالعسل. في تلك اللحظات شعرت أن الشاعر لا يكتب عن الطبيعة بقدر ما يكتب عن عدالة خفية في هذا الكون، عدالةٍ تعرف كيف تُعيد التوازن بعد كل هذا الخراب.


وما إن يصل النص إلى استيقاظ الأرواح من تحت الأديم حتى يتحول الألم كله إلى نوعٍ من الطمأنينة العميقة… كأن الراحلين لم يغيبوا تماماً، بل صاروا جزءاً من ذاكرة الأرض، ومن صلوات السماء، ومن ذلك الضوء الذي يقود القلب أخيراً إلى حضن الثقة.


هذا النص لم يكن قصيدة فحسب… بل صلاةٌ مكتوبة بالحبر، ووجعٌ يتحول ببطءٍ إلى أمل. نصٌّ يجعلنا ندرك أن الرماد مهما تكاثر، لا بد أن تخبئ تحته بذرةً صغيرة تنتظر المطر لتقول للحياة: ما زلتُ هنا. 


النص :


تمتمات القدر


أعتقتُ اليراعَ للخافق خلف الحجاب


يرسم رقصاتِ ذبحه على مسرح الغياب


غرابا أسودا يحوم في صريم الظلام


فوق سيمفونية الموت


تُنشدها أطفال ينهلون الضياء


رضعوا الصيام بعد الفطام


ينتظرون العيد الآت 


طيورا ترفرف فوق الحدود


تكسر أجنحة القتل 


تمحي دخان الرماد


مطرا يغسل قلوب الغزاة


يروي أرض البلاد


يُزهر براعم الأشجار


يُعتق أعباق الزهور


تُنشد سيمفونية العسل


طنينا ملء الحقول


تُوقظ من تحت الأديم


أرواحَ من رحلوا بلا وداع 


تَحضرُ جناتِ عدن


تُعيد القلبَ لحضن الثقاة

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة أكاديمية النيل لعظماء الشعر والأدب 2014 - 2015