عبور الرماد _ زينة الهمامي
عبور الرماد
بدأ الأمر مدهشًا
كأن الضوء انحنى ليصافح العتمة
لم يبق غير ندوب عميقة في القلب
وصور عالقة على جدار الذاكرة
وسحابة رمادية تلتف حولي
كنت أراقبك
وأنت تسرق مني كل ما عندي
النوم
الفرح
وحتى الحلم
كنت أراقبك
كما تراقب الأشجار غيمة لا تعرف
أتمطر فيكون الخلاص
أم تمسك فيكون الهلاك
رأيتك ترتدي وجهًا حبيبًا
لم أكن نائمة
ولا فاقدة للوعي كما ظننت
كنت في ذهول
من تحولك المخيف
وأنا أشاهد انفصال الروح عن الجسد
بدأ الأمر مدهشًا
ثم صار دهشة سوداء
تشبه مرآة انكسرت
فانعكس فيها وجهك ألف مرة
وفي كل مرة
كان وجهًا لا أعرفه
كنت أظنك نجمة
فاكتشفت أنك ثقب أسود
يبتلع ما حوله
ويكبر
كنت أراك طريقًا إلى النجاة
فاكتشفت أنك متاهة
كلما تقدمت خطوة
ضاع اسمي
وتبعثرت أفكاري
كأوراق خريف
متناثرة مذعورة
كنت لي ماء يروي ظمئي
فإذا بك سراب
كلما اقتربت منك
اتسعت الصحراء في صدري
وصار الرمل صلاة جافة
على روح عطشى
كنت تحذف ضحكتي
وتضع مكانها صمتًا كئيبًا لا ينتهي
كنت تسرق مني النوم
فأسهر مع هواجسي
كحارسة مدينة مهجورة
كنت تسرق مني الفرح
فأصبح قلبي غرفة
لا تدخلها الشمس
كنت تسرق مني الحلم
وتسحبني إلى أرق مستمر
بدأ الأمر مدهشًا
حين صدقتك
ثم صار أكثر إدهاشًا
حين اكتشفت أنه اختبار
لصلابة الروح
رأيت روحي تنفصل عن الجسد
لا لتغادر
بل لتتأمل المشهد من أعلى
ولتسألني
من هذا الذي يقف أمامك
ولماذا ما زلت تسمينه نجاة
كنت شاهدة
على انهيار بطيء
لا يسمعه إلا قلبي
كنت شاهدة
على ارتجاف داخلي
يشبه زلزالًا بلا صوت
ووسط كل هذا
ولدت دهشة أخرى
دهشة أنني ما زلت حية
أن قلبي رغم الندوب
ما زال يخفق
أن الذاكرة رغم الرماد
ما زالت تحتفظ بصورة الضوء
بدأ الأمر مدهشًا
وانتهى أكثر دهشة
حين أدركت
أن الذي انفصل
لم تكن روحي
بل وهم داخلي
بث لي مشاهد مفبركة
وأن السحابة الرمادية
لم تكن سجنًا
بل عبورًا
إلى عالم بدونك
وأن الندوب العميقة
لم تكن موتًا
بل كتابة سرية
على خريطة العودة
بقلمي: زينة الهمامي تونس




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات