طبيب جدّتي _ مجدي إبراهيم
طبيب جدّتي
قصة قصيرة – مجدي إبراهيم
عدت متأخرًا من المسرح تلك الليلة بعد بروفات طويلة، وكان البيت غارقًا في صمتٍ ثقيل، لكن صوت جدّتي يتسلل من غرفتها. اقتربت فوجدتها في سريرها تبكي، صامتة وحزينة، وأبي وأمي وإخوتي كانوا بجوارها .وصوتها يتهدّج كأنها طفلة.
كانت تريد أن تذهب إلى الطبيب الآن، وليس غدًا، ولا تفهم أن الوقت قد تجاوز منتصف الليل، وأن العيادات مغلقة.
وكانت تعتقد أن أبي يرفض، لأنه لم يحبّ أن يُتعب نفسه.
كان أبي حزينًا، عاجزًا أمام بكائها، يجلس إلى جوارها لا يعرف كيف يُسكِت هذا الألم، ولا يريد أن يخدعها.
قالت بإلحاح طفولي: ودّوني للدكتور… عيني وجعاني. حاول أبي أن يطمئنها قائلاً: بكرة الصبح يا أمي … الساعة واحده والوقت اتأخر، لكنها لم تقتنع. كانت قد تجاوزت الثمانين، ومع ذلك بدت في تلك اللحظة كطفلة خائفة من ألمٍ صغير.
وقفت أراقب المشهد، تذكرت كم كانت جدّتي جزءًا كبيرًا من حياتنا منذ وُلدنا، تربينا في حجرها، وهي تحكي لنا حكاوي من الزمن الجميل، وتغني لنا من الفلكلور القديم، تعلمنا الصبر والحنان والحب. كل تلك الذكريات كانت تملأ البيت دفئًا، وكل لحظة معها كانت درسًا في الحياة. لكن الليلة، رأيتها في سريرها تبكي، وحزينة، وأبي وأمي وإخوتي كانوا بجوارها يحاولون تهدئتها بلا جدوى. قلت لنفسي إنني لا أستطيع الصمت، اقتربت منهم وقلت لهم بهدوء: قولوا لها الدكتور جاي في الطريق.
لم تمض دقائق حتى هدأت جدّتي وبدأت تستعد كما لو كانت ستستقبل ضيفًا عزيزًا، غيّروا لها ملابسها ورتّبوا الغرفة وسرّحوا شعرها بعناية.الطقوس التي تحفظها جيدًا عند زيارة طبيب للمنزل وتحبّها.
أما أنا، فقد وضعت قبّعة على رأسي وأمسكت بكشاف بطارية صغير ، ثم دخلت غرفتها في وقاروغيرت نبرة صوتى وقلت: مساء الخير يا حاجة. رفعت رأسها ونظرت إليّ طويلًا، وكان في عينيها شيء غريب… شيء بين التصديق والتسامح،
. قلت: مليون سلامة يا أمي… احكي لي، بتشتكي من إيه؟ قالت بصوت واهن: عينيا بتوجعني… والقطرة مش نافعة. سلّطت الكشاف على عينيها وكأنى افحصها ومسحتها بقطعة من القطن .
ثم قلت لها مطمئنًا: ده التهاب بسيط… القطرة دى كويسة،
بس هتستخدميها تلات مرات بدل مرتين
وتعملوا لها كمادات بمية دافية.
ترددت جدتى لحظة ثم سألتني: يعني مفيش حاجة وحشة؟ ابتسمت وقلت: أبدًا… إنتِ زي القمر وعيونك أحلى عيون.
ابتسمت. هدأت دموعها، وبعد قليل غرقت في نومٍ هادئ. خرجت من الغرفة بهدوء ووقفت لحظة عند الباب أتأملها وهي نائمة، كان وجهها ساكنًا كأن الألم لم يمرّ به أصلًا.
ناداني أبي، دخلت عليه فوجدته جالسًا وحده في سريره و ينظر إلى الأرض كأنه يبحث عن فكرة بعيدة. رفع رأسه نحوي وقال بهدوء: إحنا كده… كذبنا عليها؟ ولم أعرف بماذا أجيب




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات