الأمان المزيف _ انغام الهادي
*الأمان المزيف*
أَسْنَدْتُ ظَهْرِي إِلَى جِدَارٍ مِنْ دُخَانٍ،
وَنِمْتُ... آَمِنَةً.
كَانَ يَبْتَسِمُ لِي كُلَّ صَبَاحٍ، وَيَقُولُ: "هَاهُنَا بَيْتُكِ".
فَصَدَّقْتُ الظِّلَّ، وَعَلَّقْتُ عَلَيْهِ مَفَاتِيحَ قَلْبِي.
كَانَ أَمَانِي يُشْبِهُ الْمَاءَ فِي كَفِّ عَطْشَانَ:
أَرَاهُ يَلْمَعُ، أُحِسُّ بُرُودَتَهُ، وَأَمُوتُ وَهُوَ يَنْسَابُ بَيْنَ أَصَابِعِي.
أَمَانٌ مُعَلَّبٌ بِوَرَقِ الهُدْنَةِ، مَخْتُومٌ بِخَتْمِ الوُعُودِ،
فَلَمَّا فَتَحْتُهُ... لَمْ أَجِدْ سِوَى فَرَاغٍ مُعَطَّرٍ بِالْكَذِبِ.
يَا لَهُ مِنْ أَمَانٍ مُهَذَّبٍ!
يُقَدِّمُ لِي القَهْوَةَ، وَيُدِيرُ وَجْهَهُ عَنِ السَّقْفِ الآَيِلِ لِلسُّقُوطِ.
يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كَتِفِي لِيُطَمْئِنَنِي،
وَهِيَ نَفْسُ اليَدِ الَّتِي تَحْفِرُ قَبْرِي خَلْفَ ظَهْرِي.
عَلَّمُونِي أَنَّ الأَمَانَ أَنْ تَنَامَ وَعَيْنُ الذِّئْبِ تَحْرُسُكَ،
فَنِمْتُ... وَاسْتَيْقَظْتُ عَلَى صَوْتِ مَضْغِهِ لِضُلُوعِي.
الأَمَانُ المُزَيَّفُ لَا يَقْتُلُكَ مَرَّةً وَاحِدَةً،
بَلْ يُرْضِعُكَ المَوْتَ قَطْرَةً قَطْرَةً... حَتَّى تُدْمِنَهُ وَتُسَمِّيهِ "حَيَاةً".
وَالآنَ عَرَفْتُ:
لَيْسَ أَشَدَّ وَحْشَةً مِنْ بَيْتٍ مُكْتَظٍّ بِالأَشْبَاحِ،
وَلَا أَشَدَّ بَرْدًا مِنْ حُضْنٍ مَصْنُوعٍ مِنْ جَلِيدٍ،
وَلَا أَشَدَّ غَدْرًا مِنْ يَدٍ تُرَبِّتُ عَلَيْكَ لِتَتَأَكَّدَ أَنَّكَ مَا زِلْتَ صَالِحًا لِلذَّبْحِ.
فَشُكْرًا لِلأَمَانِ المُزَيَّفِ...
لَقَدْ عَلَّمَنِي كَيْفَ أَصْنَعُ مِنْ خَوْفِي وَطَنًا،
وَمِنْ حَذَرِي سَقْفًا لَا يَخُونُ،
وَكَيْفَ أَكُونُ لِنَفْسِي ذَلِكَ الجِدَارَ الَّذِي لَا يَتَكَوَّنُ مِنْ دُخَانٍ.
بقلمي
انغام الهادي




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات