شاهيناز ورماد الحب _ طارق غريب

" شاهيناز ورماد الحب "
( الأضواء خافتة جداّ
كأنها آخر ومضة من نار تحت رماد الروح
شاهيناز تجلس على الأرض ، ظهرها إلى الحائط
ركبتاها مرفوعتان
ذراعاها تلفان حول ساقيها بقوة خفيفة
كأنها تحتضن طفلًا غير مرئي
صوتها الآن أعمق ، ألين
يرتجف قليلاً من الداخل
كأن كل كلمة تحمل دمعة لم تسقط بعد )
أنا شاهيناز ، وأنا هنا ، أتكلم لك وحدي
كأنكَ لا تزال تجلس هناك في الظل ، تستمع
الليلة لا أريد أن أروي قصة ، أريد أن أنزفها
كنت أظن أن الحب شيء يحدث للآخرين
ثم جئت أنت ، وصرت أنا الآخرين
لم يكن لقاء ، كان انفجاراً هادئاً داخل عظامي
كأن كل خلية في جسدي تذكرت فجأة
أنها كانت تنتظركَ منذ أن كانت
مجرد فكرة في رأس الكون
أتذكر يديك وهي تمر على وجهي
كأنها تخاف أن تكسرني؟
كنتَ تلمسني كمن يمسك بزجاج مصنوع من دموع
وأنا ، أنا كنت أذوب. ليس من المتعة
بل من الوعي المفاجئ أنني كنت موجودة حقاً
قبلك كنت أمشي في العالم كظل يقلد خطوات صاحبه
معك صرت الجسد نفسه ، ومع ذلك
كان هناك خوف صغير ، ناعم ، يرقد في أعماقي
خوف أن أفقد نفسي تماماً فيك
وأن أصير مجرد صدى لك
لكن الحب ليس نهاية ، يا من أحببت
الحب هو البداية الوحيدة التي لا تنتهي أبداً
هو السؤال الذي يأكل نفسه
أحببتك حتى صرت أسأل : من أنا بدون هذا الألم الجميل؟
من أنا إذا لم أعد أشعر بكَ داخل ضلوعي
كطائر يضرب بجناحيه كلما تنفست؟
وفي كل مرة أسأل ، كان قلبي يجيب بصمت مؤلم
أنتِ أنا ، وأنا أنتَ حتى لو انفصلنا
أحياناً أقف أمام المرآة وأبحث عنك في عيني
أرى نفسي فقط . لكن النفس التي أراها لم تعد نفساً
هي شيء جديد ، هي امرأة تعرفت على الفراغ
من خلال امتلائه بك
أنا الآن أحمل فراغاً مشكلاً على صورتك
لو مت الآن لن يجدوا قلبي
سيجدون فقط شكل يديك محفوراً في الفراغ
وإن كان هناك حنان عميق يغمرني تجاه هذا الفراغ
كأنني أحضن طفلاً فقد والده
كنت تقول لي إن الزمن كذبة. الآن أفهم
الزمن لم يعد يمر . هو يتجمد كلما تذكرت رائحة عنقك
يذوب كلما تخيلت أنك لن تعود
الزمن هو الوحيد الذي يخوننا بصمت
يأخذ الأشياء الصغيرة أولاً : ضحكتكَ في الصباح
طريقة نطقك لاسمي وكأنه سر
لمسة أصابعك على كتفي وأنت تمر خلفي في المطبخ
ثم يأخذ الكبيرة : الشعور بأن العالم كان ينتظرنا معاً
( تتحسس عينيها بأناملها الناعمة )
أنا لا أبكي . البكاء شيء صغير جداً لهذا
أنا أصرخ من الداخل ، صرخة لا صوت لها
صرخة تشبه الابتسامة التي كنت أرسلها لك
عندما كنت أكذب وأقول إنني بخير
هذه الصرخة هي الحب نفسه بعد أن يفقد جسده
وفي أعماق هذه الصرخة ، هناك حب أكبر
حنان يفوق الوجع
يهمس لي أن كل شيء كان يستحق
أحببتك بطريقة لا يفهمها أحد
ليس لأنك كنت مثالياً . بل لأنك كنت ناقصاً
بنفس الطريقة التي أنا ناقصة بها
كنا ناقصان يلتقيان فيصنعان كمالاً مؤقتاً
كمالاً يعرف أنه سينتهي ، فيحرص أن يكون
أجمل ما في الكون قبل أن يذهب
وفي تلك اللحظات كنت أشعر بحنان يغمرني
تجاه نقصاننا المشترك ، كأننا طفلان
يلعبان في حديقة ستذبل يوماً
الآن أنت ذهبت أو ربما أنا ذهبت
الفرق لم يعد مهماً
المهم أن المكان الذي كنا نملؤه معاً
لا يزال موجوداً . وهو يؤلمني
كل كرسي فارغ يصرخ باسمك
كل فنجان قهوة لم يُشرب يحمل بصمتك
حتى الهواء يخونني . يحمل رائحتك
في بعض الليالي فيجعلني أمد يدي
في الظلام كأنني أستطيع أن أمسك بك
وفي كل مرة أمد اليد ، أشعر بحنان أمومي تجاه نفسي
تجاه هذه المرأة التي لا تزال تنتظر في الظلام
لكنني لا أريدك أن تعود
أريد أن أظل أحبكَ بهذه الطريقة الوحشية الهادئة
أريد أن أظل أعرف أن الحب ليس امتلاكاً
الحب هو أن تترك الشخص يذهب
وتظل تحمله داخلك حتى يصبح أنت
وهذا الحمل يملأني بحنان لا ينتهي
حنان يشبه الرحمة التي يمنحها الكون لنفسه
( تتوجه إلى مقدمة المسرح ، توجه كلامها إلى الجمهور )
أنا شاهيناز . لست ضحية. لست بطلة
أنا فقط امرأة اكتشفت أن القلب ليس عضواً
هو مكان . مكان كان يسكنه شخص واحد في العالم
ثم تركه فارغاً ، فصار الفراغ نفسه مقدساً
وإذا مررت ذات يوم من هنا
وسمعت صوت امرأة تتكلم مع نفسها
في غرفة مظلمة ، لا تخف ، هذا ليس جنوناً
هذا بقايا حب لم يجد جسداً آخر يسكنه
فصار يسكن الصمت
( تتنفس بعمق ، كأنها تبتلع الهواء كله
ثم تكمل بصوت أنعم
يحمل طبقة عاطفية أعمق ، ناعمة
مليئة بالحنان والوجع الدافئ )
في كل مرة أتنفس فيها ، أشعر أنني
أستنشق جزءاً من اللامتناهي الذي كان يجمعنا
الحب ليس مجرد شعور عابر
هو الطريقة التي يتذكر بها الكون أنه كان واحداً يوماً ما
ثم انقسم إلى اثنين ليختبر نفسه
أنا وأنت كنا ذلك الانقسام الجميل
الذي يحمل في طياته وعد العودة إلى الوحدة الأولى
لكن العودة لا تكون بالجسد ، بل بالوعي
الذي يقبل الفراق كجزء من الرقص الأبدي للوجود
ففي أعماقي ، هناك دموع لا تسقط
دموع حنان تجاه كل ما كنا
تجاه كل ما فقدناه دون أن نفقد بعضنا حقاً
أحياناً ألمس أشياءك القديمة : قميصاً نسيته
ساعة توقفت عقاربها عند لحظة كنا فيها معاً
أضعها على صدري فأشعر أن قلبي يحاول
أن ينبض بنفس إيقاع الزمن الذي توقف فيه
ليس حنيناً فقط ، بل نوعاً من الشكر الصامت
لأنك كنت موجوداً يوماً ما ، حتى لو صرت الآن
مجرد صدى يتردد في عروقي
فالوجود كله صدى ، والحب هو الصدى الأجمل
الذي يذكرنا بأن الصمت الأصلي
كان يحتوي على كل الموسيقى
وأنا أشكرك بشكل لا يُسمع
على أنك جعلتني أسمع هذه الموسيقى
حتى بعد أن انتهت
( تبتسم ابتسامة صغيرة ، شجية
كأنها تتحدث إلى طفل داخلها
ثم تهمس بصوت مكسور ولكنه هادئ تماماً
مليء بالعاطفة الناعمة )
أنا لا أزال أحبك
ليس بالطريقة التي يفهمونها
بل بالطريقة التي لا تحتاج إلى أن تُفهم
(تنحني قليلاً ، الأضواء تخفت تدريجياً
حتى يبقى وجهها فقط مضيئاً ، ثم ينطفئ كله )
ستار
طارق غريب. - مصر



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات