زفرةُ الغيابِ الأخيرة _ حنان أحمد الصادق الجوهري
زفرةُ الغيابِ الأخيرة
(رحيل محمد الثاني آخر ملوك الأندلس)
******************************
عَلى التلِّ..
أوقفَ نَبضَ الحكايةْ
وألقى عَلى شُرُفاتِ المدينةِ..
نظرةَ حُزنٍ.. تلمُّ البدايةْ
ثمانيةٌ من قرونِ الضياءِ
تَمُرُّ سريعاً.. كحُلمٍ رَوايةْ
يُغطّي الضبابُ صُدورَ الروابي
ويحجبُ وَجهَ القصورِ السبيّةْ
كأنَّ الجبالَ تُواري الحياءَ
وتغسلُ دَمعَ القلاعِ القصيّةْ
تَنهَّدَ..
فارتبكَ الياسمينُ..
وخَبَّأَ عطرَهُ في الرداءْ
هيَ الزفرةُ الآنَ..
تخرُجُ ضوءاً..
تُعانقُ في كبرياءٍ.. هواءَ الفناءْ
أنا مَلِكٌ..
يرحلُ الآنَ صَمتاً..
ليتركَ خَلفَ المدى.. كبرياءْ
يَجرُّ خطاهُ..
وعينُ الحمراءِ..
تُراقبُ في صَمتِها.. ليلَ مائِهْ
تئنُّ السواقي..
ويذوي الرخامُ..
بِحسرةِ مَن فارقوا.. في بهائِهْ
فيا تَلُّ..
كُن للوداعِ ملاذاً
وخَلّدْ ملامحَ تِلكَ الوجوهْ
كانَ نَحيباً..وكان عِناقاً..
لروحِ الحضارةِ.. قَبلَ التُّوهْ
مَزجنا الدماءَ بطينِ القصورِ
وصُغنا من الفجرِ.. شالاً ونورْ
فإن رحلَ الملكُ..
يبقى الأريجُ..
يُعطّرُ بالدَّمع.. صَمتَ العصور
وجاء الغروبِ..
تَمادت يداهْ..
تُودِّعُ لَوناً.. سَرى في دِماهْ
هنا.. كُلُّ شبرٍ.. حَياةٌ وقِصةْ
هنا.. كُلُّ رُكنٍ.. صَلاةٌ وغُصةْ
ويا صمتَ غرناطةٍ..
في المساءْ..
أتسمعُ وَقعَ خُطى الأنبياءْ؟
مَشوا فوقَ عُشبِكِ..
صاغوا النجومْ..
فكيفَ استحالَ الضياءُ.. غيومْ؟
رَحلتُ..
وعطري سيبقى سجيناً..
بِثقبِ المداخنِ.. خَلفَ السنينْ
سيشربه النهرُ..
يَجري بهِ..
ويَحكي للوزِ.. سِرَّ الحنينْ
وإنْ سألوا..
عن بقايا خَيالي..
فقولي.. تَبعثرَ في الياسمينْ
فما مَاتَ مَن..
ظَلَّ في الحرفِ حياً..
وصارَ لُغاتٍ.. لِمن يَعشقون
فيا أندلسُ..
أنتِ خمرُ البقاءِ..
ونحنُ بوجعِكِ.. مُستعربون
رَحيلٌ غريبٌ
يَذوبُ انصهارهْ..
ليُولدَ في الشوقِ.. شَكلُ المنارةْ
سنمضي..
ولكنْ سيَبقى العبيرُ..
يُعطرُ بالسحرِ.. وَجهَ العمارةْ
فلا تَحزني..
إن فَقَدتِ الملوكَ..
فأنتِ المليكةُ.. فخرُ الحضارةْ
فَميلِي بوقرٍ..
على ذكرياتِكْ..
فلو سلبوا الأرضَ..
أو هدموا..
فمن ذا سيجرؤُ.. هدمَ صِفاتِكْ؟
ستبقينَ في غزلِنا..
في الرؤى..
وفي كُلِّ حرفٍ.. أضاءَ حياتِكْ
فأنتِ الأناقةُ..
حتى الرحيلِ..
ونحنُ اليتامى.. بِطيب رفاتك
بقلم :حنان أحمد الصادق الجوهري




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات