-->
»نشرت فى : السبت، 18 أبريل 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

مطارق الحق على أوهام النفس _ ....محمد الامين بشير






"مطارق الحق على أوهام النفس"

في زمنٍ تكسوه العجلة، وتستبدّ به الشواغل، يقف الإنسان على شفير نفسه كأنّه غريبٌ عنها، يراها ولا يعرفها، ويسمع همسها ولا يفقه مرادها. وقد كان الأولون يوقنون أنّ النفس مملكةٌ لا يصلح أمرها إلا بالعدل، ولا يثبت بنيانها إلا على دعائم من صدقٍ وصبرٍ وعلم. فإذا اختلّ ميزانها، اضطربت الحياة في ظاهرها وباطنها، وتفرّقت قوى المرء بين هوىً يعصف به، وعقلٍ يزجره فلا يُطاع.

وليس سموّ الإنسان بكثرة ما يملك، ولا بما يشيّد من عمران، ولكن بما يُحسن من تهذيب باطنه، وإقامة روحه على معاني الحق والخير. فالخلق الكريم ليس زينةً تُتخذ عند اللقاء، ولا قناعًا يُلبس في المجالس، ولكنه طبيعةٌ راسخة، تنبع من يقينٍ عميق بأنّ للوجود حكمة، وأنّ للإنسان فيه رسالة لا تُؤدّى إلا بالصدق والإحسان.

وما أضعف المرء حين يطلب المجد من غير بابه، فيتعلّق بأوهام الشهرة، أو يغترّ ببريقٍ زائل، كسرابٍ يلمع في عين الظمآن، فإذا جاءه لم يجده شيئًا. وإنما المجد كلّ المجد أن يُحسن الإنسان عمله وإن خفي، وأن يُتقن سعيه وإن لم يُذكر، وأن يرضى من نفسه أن تكون في مقامٍ لا يراه الناس، ولكن يراه الحق الذي لا تخفى عليه خافية.

وقد كان من شأن النفوس الكبيرة أن تأبى الدنايا، وإن تيسّرت، وتترفّع عن الصغائر، وإن راجت بين الناس. فهي تعلم أنّ القيم لا تُقاس بكثرتها، بل بصدقها وثباتها، وأنّ الطريق وإن طال، فإنّ العاقبة لمن ثبت واستقام. وما أصدق قول من قال: إنّ المرء إنما يُعرف بثباته عند المحن، لا براحته عند السعة.

فليجعل الإنسان لنفسه ساعةً يُحاسبها فيها، يقف أمامها وقفة الصادق مع ذاته، لا يُجاملها ولا يُداريها، فإن وجد خيرًا حمد، وإن رأى تقصيرًا أصلح، فإنّ العمر قصير، والفرص تمضي، ولا يبقى للمرء إلا أثرٌ طيب، أو ذكرٌ حسن، أو عملٌ يُرجى به وجه الحق.

وهكذا تمضي الحياة: امتحانًا للضمائر، وميزانًا للأخلاق، وميدانًا تتجلّى فيه معادن الرجال. فمن صبر وصدق، بلغ، ومن توانى وتعلّل، خاب. وليس بين هذين إلا عزمٌ ينهض، أو نفسٌ تستكين.

....محمد الامين بشير الجزائري...



    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة أكاديمية النيل لعظماء الشعر والأدب 2014 - 2015