المعنى حين يخلعُ حذاءه _ عاشور مرواني
المعنى حين يخلعُ حذاءه
في جيبِ الغيمةِ ساعةٌ من ملح،
تدقُّ إذا فكَّر الحجرُ في الهجرة،
وتخفتُ إذا مرَّت فراشةٌ
تحملُ على ظهرها مدينةً من أسئلة.
أنا ابنُ بابٍ
فُتِحَ داخلَ باب،
وكلَّما دخلتُ إلى نفسي
وجدتُ عند العتبةِ حذاءً ليس لي،
كأنَّ الذين كنتُهم
سبقوني إلى دمي،
وتركوا لي جسدًا
تداولتْه المعاني،
ورائحةَ تأويل.
في المصعدِ الصاعدِ إلى المطلق،
كان الزرُّ الأخيرُ معطَّلًا،
فضغطتُ على قلبي.
فانطفأتِ الطوابقُ كلُّها،
وبقيتُ معلَّقًا
بين:
من أنا؟
ومن الذي يسأل؟
رأيتُ العقلَ
يلبسُ نظَّارةً من مرايا،
ويشرحُ للعدمِ
فوائدَ الوضوح.
ورأيتُ الجنونَ
يكتبُ أطروحةً عن هندسةِ البرق،
فصفَّقتْ له الأشجارُ،
لأنها تفهمُ اللغةَ
حين تتكسَّر.
أيُّها الوقت،
يا موظَّفَ الكونِ المتعب،
متى ستستقيل؟
لقد أكثرتَ من ختمِ وجوهنا
بتواريخَ لا تناسبُ أرواحنا.
كلَّ يومٍ تضعُنا في درج،
وتقول: هذا ماضٍ،
كأنَّ الحنينَ ملفٌّ إداريّ،
وكأنَّ الأمَّ التي رحلت
يمكنُ أرشفتُها.
أنا لا أؤمنُ بالمستقيم،
فالحقُّ أحيانًا
ينامُ في المنعطفات،
والنورُ لا يأتي دائمًا من أعلى،
قد يخرجُ من شقٍّ
في فنجانِ قهوة،
أو من ضحكةِ متسوِّل
عرفَ سرَّ الغنى
فأفلسَ عمدًا.
مررتُ بسوقِ المعاني،
فوجدتُ الحقيقةَ
تبيعُ أقنعةً شفَّافة،
والهويَّةَ
تجرِّبُ وجوهَ المارَّة
مثلَ بائعةِ عطور،
واللغةَ
تقصُّ أظافرَها
قبل أن تلمسَ اسمَك.
هناك،
اشترتْ روحي من بائعِ الظلال
سلَّمًا بلا درجات،
وقالت:
الصعودُ ليس حركةً إلى فوق،
الصعودُ
أن تخفَّ
حتى لا تجدَ الأرضُ سببًا
لتحتفظَ بك.
وفي الليل،
حين نامتِ الشوارعُ
وأغلقتِ النوافذُ عيونَها،
خرجَ من صدري درويشٌ إلكترونيّ،
يدورُ حول نقطةِ واي فاي خفيَّة،
ويقول:
الوصلةُ ضعيفةٌ
بين الإنسانِ ونفسه،
أعدْ تشغيلَ القلب.
ثم اختفى
داخل إشعارٍ
لم أفتحه.
ما أغربَ هذا العصر:
نحملُ العالمَ في الهاتف،
ولا نجدُ مكانًا
نضعُ فيه وحدتَنا.
نصوِّرُ الغروبَ
كي نؤجِّلَ النظرَ إليه،
ونكتبُ: أنا بخير،
بأصابعٍ ترتجف،
مثلَ أطفالِ غيبٍ
سقطتْ من أيديهم الحيلةُ
في زحمةِ التحديثات.
وفي فجأةٍ
تشبهُ انكشافَ المرآةِ لنفسها،
عبرتْ في داخلي
رعشةٌ لا اسمَ لها،
كأنَّ المجهولَ
يتذكَّرني من جهةٍ أخرى،
لا وجهَ، لا نبرةَ،
فقط فسحةٌ
تجعلُ دمعةً واحدةً
أكبرَ من البحر.
فعرفتُ أنَّ الطريقَ
ليس طريقًا،
بل خفَّةٌ نبيلةٌ
تتخلَّى عن الخرائط.
ومنذ ذلك الحين
صرتُ إذا صافحتُ أحدًا
أتحسَّسُ غيابَه المقبل،
وإذا أحببتُ
تركتُ في الحبِّ
كرسيًّا فارغًا للغيب،
وإذا صلَّيتُ
لم أطلبْ شيئًا،
كنتُ فقط
أعيدُ الكونَ إلى صدره
ببطء.
يا أنا،
يا قارَّةً تمشي على قدمين،
كم بحرًا يلزمكِ
لتصدِّقي أنكِ عطش؟
وكم موتًا صغيرًا
تحتاجين
لكي تتدرَّبي على الخلود؟
أنا لستُ شاعرًا،
أنا خللٌ جميلٌ
في آلةِ التسمية.
كلَّما قلتُ: وردة،
نبتَ جرحٌ مضيء،
وكلَّما قلتُ: سماء،
سقطَ درجٌ داخل رأسي،
أصعدُه
فأصلُ إلى طفلٍ
يرسمُ على سبُّورةِ الغيب
دائرةً
ويسمِّيها:
المعنى
حين يخلعُ حذاءه.
وفي النهاية،
حين يسألني الترابُ:
ماذا فهمتَ؟
سأقول:
فهمتُ أنَّنا
لا نعيشُ الحياةَ،
بل الحياةُ
تحلمُ بنا قليلًا،
ثم تستيقظ.
وأنَّ الروحَ
ليست شيئًا يسكنُ الجسد،
بل نافذةٌ
ينظرُ منها اللانهائيُّ
ليطمئنَّ
أنَّ العدمَ
ما زال قادرًا
على الإزهار.
عاشور مرواني
شاعر وأديب




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات