الغيرة بين نور القلب وظلامه _ محمود طه
...الغيرة بين نور القلب وظلامه...
الغيرةُ هي نافذةُ القلب؛ إمّا أن تُطلَّ علينا بنورٍ من الحبِّ، والدِّفءِ، والحنان، وإمّا أن تُطلَّ علينا بظلالٍ من الشكِّ، والسِّهام، والسيوف الحادّة.
وهي شعورٌ إنسانيٌّ طبيعيّ، قد يكون محمودًا إذا وُضع في موضعه الصحيح، خاصةً في العِرضِ والكرامةِ والحبِّ، بشرط ألّا يتحوّل إلى تملّكٍ أو شكٍّ قاتلٍ يهدم العلاقات ويُنهك الأرواح.
وفي العلاقات الإنسانيّة، كالصداقة، ومحبّة الأبناء، والحبيب، تكون الغيرةُ المحمودةُ تعبيرًا راقيًا عن الاهتمام، وحرصًا صادقًا على من نحب، وسعيًا لمنحهم الأمان والاحتواء.
لكنّها قد تنقلب إن تجاوزت حدّها إلى قيدٍ ثقيلٍ يخنق المودة بدل أن يحفظها.
وفي المقابل، هناك لونٌ آخر من الغيرة، كغيرة الإنسان من زميله في العمل أو ترقيته؛ وهي غيرةٌ مذمومة، إذ تتحوّل إلى حسدٍ يطفئ الرضا في القلب. وكذلك منع صلة الرحم بدافع الغيرة يُعدّ تجاوزًا يضرّ العلاقات ويقطع الروابط ويزرع الجفاء بين النفوس.
وقد جاء الإسلام ليهذّب هذا الشعور، فيُقرّ الغيرة في مواضعها النبيلة، كحماية العِرض، وصون الكرامة، ورعاية الأسرة، وينهى عن الغيرة المبنية على الحقد والكراهية والأنانية.
فاحذر أن يتحوّل بستانُ الورد إلى حديقةٍ من الأشواك؛ فقد تؤذي من تحب وأنت تظن أنك تحميه، فيختلط الدفء بالألم، والمحبّة بالجرح، ويضيع المعنى بين الحماية والسيطرة.
فكن غيورًا محبوبًا لا غيورًا منبوذًا؛ فبينهما فرقٌ كبير، كالفارق بين الأمل والألم، رغم تشابههما في الحروف، إلا أن أثرهما في القلب متباين تمامًا.
اجعل غيرتك بناءً لا هدمًا، وإصلاحًا لا فسادًا، وطمأنينةً لا خوفًا. وكن سببًا في الأمان لا القلق، وفي الوصل لا القطيعة.
وحينها تصبح غيرتك بلسَمًا يُداوي لا جرحًا يُؤذي، ونورًا يُهدي لا نارًا تُشقي.
بقلم الأديب. محمود طه




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات