الفــــــــرق _ د. جمـــال جبــــارة
حين أحبّها، لم يهدِها وردةً، بل أهداها "عمرًا ورقيًا". سجنها داخل قصر وجدانه، فصارت تمشي بين السطور كأنها تسكن قصرًا عتيقًا؛ يكتبُ فتتراقص، ويصفُ فترسم لوحة كلماته على جدران روحه. كانت تعيش واقعًا يشبه الخيال، فصولًا من حبر ونور، خُطّت بريشة غُمست في بوتقة كحلها الأسود، حتى ظنت أنها ملكة الزمان.
أما حين أحبته هي، الكاتبة المسكونة بالوجع والجمال، فقد وهبته لعنة الخلود. كانت تضع قدمه على الأرض مرةً، ليلمس كفها ويسمع موسيقى صوتها، ثم تخطفه ألف مرة لتصلبه فوق نصوصها الدرامية.
ذات مساء، قرر أن يرحل عن واقعها. بحث عن مخرج بين غرف قلبها، فلم يجد بابًا. وحين فتح مذكراتها، وجد الفصل الأخير قد كُتب قبل لقائهما بعام!
فجأة؛ صرخ في وجهها:
"أنا هنا، أمامكِ، في الواقع!"
ابتسمت ببرود وهي تطوي الورقة الأخيرة وقالت:
"كلا يا عزيزي.. أنت هناك، جثة هامدة في السطر التاسع عشر... أما الذي يقف أمامي الآن، فليس سوى مسودة لم تعجبني، وقررتُ أن أمحوها."
اختفى هو من الغرفة، وبقيت هي.. وحيدة، تغمس ريشتها في محبرة من سراب.
بقلم
د. جمـــال جبــــارة
الإعلامي والكاتب المصري




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات