-->
»نشرت فى : الثلاثاء، 14 أبريل 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

كاد المعلّم أن يكون رسولًا _ منى دخيل


 كاد المعلّم أن يكون رسولًا...

كنت جالسةً مع أولادي أحدّثهم عن يومهم كالعادة، فإذا ببنتي تسألتني، لماذا معلمتي أمام المدير تعاملني بلطف، أما حين يغيب توبخنا؟  


ثم سألني ابني عندما سمع سؤال أخته، يا أمي: كيف تعلّمنا المعلمة درسًا عن الأخلاق وآداب الحديث، ثم تخاطبنا بفظاظة وكلمات جارحة؟  


هنا بدأتُ أُفكر بعد ضياع كلّ الأجوبة في قاع تفكيري..


هذان السؤالان البسيطان في ظاهرهما، العميقان في جوهرهما، يكشفان مأزقًا تربويًا يعيشه التعليم اليوم.


 فالأطفال ببراءتهم يلتقطون التناقضات التي قد يغفل عنها الكبار، ويضعون أصابعهم على جرحٍ قديم يتجدد: انفصال القول عن الفعل، وانفصام الرسالة عن الممارسة.  


في الماضي، كان المعلم قدوةً قبل أن يكون مبلّغًا للمعرفة. 


كان حضوره امتدادًا للأب والأم، يعلّم بالرحمة كما يعلّم بالعلم، ويجعل من سلوكه درسًا حيًا لا يحتاج إلى شرح. 


لم يكن التعليم وظيفةً تُؤدّى تحت أعين المدير أو في ظل الرقابة، بل رسالةً أخلاقية وروحية، يلتزم فيها المعلم بما يقول، ويجعل من اتساقه الداخلي مصدرًا لهيبته واحترامه.  


أما اليوم، فقد غلبت على التعليم مظاهر الشكل والتمثيل، فصار بعض المعلمين يبدون اللطف أمام المدير أو في المناسبات الرسمية، ثم ينقلبون إلى القسوة حين يغيب الرقيب.


 وهنا يتولد في ذهن الطفل شعور بالازدواجية: أن القيم التي يتلقاها في الدرس ليست هي ذاتها التي يراها في السلوك.


 فيتعلم أن الأخلاق شعارات تُقال لا أفعال تُعاش، وأن الصدق واللطف مجرد واجهة لا حقيقة. 


وهذا أخطر ما يمكن أن يترسخ في نفس الناشئة، إذ يزرع الشك في جدوى القيم، ويحوّل التعليم إلى خطاب أجوف.  


إن التعليم الحق لا يقوم على ازدواجية، بل على وحدة القول والفعل.


 فالمعلم حين يعلّم الصدق يجب أن يكون صادقًا، وحين يعلّم اللطف يجب أن يكون لطيفًا، وإلا فقد رسالته.


 فكل كلمة منه تُترجمها عين الطفل إلى سلوك، وكل تناقض يُترجم إلى خيبة.


 وما أسئلة الأطفال إلا نداء صريح لإصلاح هذا الخلل، وإعادة التعليم إلى رسالته الأولى: أن يكون نورًا يضيء بالمعرفة، ودفئًا يزرع بالقيم، لا ازدواجية تُربك النفوس وتشوّه المعاني.  


إنها دعوة لأن نعيد للتعليم صدقه، وللمعلم قدوته، وللدرس حياته، حتى لا يظل الطفل يتساءل بدهشة: لماذا يعلّموننا ما لا يفعلون؟ بل يجد في معلمه الجواب الصامت الأبلغ: أن الأخلاق ليست درسًا يُلقى، بل حياة تُعاش.


ومازلتُ أخيطُ جوابًا شافيًا لأولادي كي لا يفقدوا ثقتهم بالقدوة بينما الخوف يتملّكني ويشعرني بأن تربيتي لأولادي تحتاج رقابة أكثر فالجسر الذي كان بين الوالدين والمعلم بدأ ينهار تدريجيًا. 


الكاتبة والشاعرة منى دخيل" جلنار زهرة الرمان "سوريا.

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة أكاديمية النيل لعظماء الشعر والأدب 2014 - 2015