-->
»نشرت فى : الأحد، 5 أبريل 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

ماهية الأنثى _ أ.د/ عصام محمد عبد القادر

ماهية الأنثى
بقلم
أ.د/ عصام محمد عبد القادر 
أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر
تتسم الأنثى في حقيقتها بأنها مزيج باذخ من الإيحاء الخالص والوجدان المرهف؛ إذ تملك مقدرة لافتة على سبر الأغوار القصية، وطيّ الآماد البعيدة في لحظة شعورية خاطفة، مما يجعل عوالمها النفسية معضلة عصية على مقاييس النظراء وقصور إدراكهم، بينما يظل هذا التكوين الفطري السامي نسقاً مألوفاً، ولغة متسقة بليغة تجمع جنسها الفريد في اتساق شعوري عميق، يغني بذاته عن إقامة البرهان، ويؤكد خصوصية هذا الكيان الوجداني، الذي يعصى على التفسير المادي.
تحمل الأنثى في كينونتها السامية دفقات غامرة من الابتكار المتجدد، ومقدرة فائقة على صناعة حياة مفعمة بالأمل؛ إذ تحظى بنفاذ بصيرة وضاءة، تتخطى بها الرتابة بمختلف المقاييس المعهودة، وتتعدى بمراحل ذاك المنظور الضيق المحدود، ومن ثم يمكنها ببراعة أن تصوغ تطلعات مستقبلية مشرقة تترفع بها عن القوالب الذهنية المعتادة، لترسم بوجدانها أفقاً يتجاوز المألوف ويسمو بالروح نحو فضاءات رحبة من السموّ الإنساني الرفيع.
يتسم وعي الأنثى السامي بكونه يصطبغ بطيف وجداني باذخ، ومسارات شعورية دقيقة للغاية؛ إذ تتنزه بطبيعتها الوديعة الرقيقة عن دروب المجابهة الفجة، أو تعمد إيذاء مشاعر الآخرين المرهفة، لترسم بكيانها الهادئ صورة من الترفع الأخلاقي، الذي يعلو الضغائن، ويجعل من صمتها وشفافيتها لغة بليغة، تتجاوز حدود الكلمات لتصل إلى شغاف القلوب في اتساق إنساني متفرد.
تعتصم الأنثى في رقتها السامية بمسلك ترتكن فيه إلى الملاينة الوديعة، وتوظف تلك الليونة الحصيفة في طرح كامل تصوراتها وتمرير غاياتها النبيلة، بعيدًا كل البعد عن سياسة الخداع المذمومة؛ حيث تنتهج أسلوب المداورة برقة متناهية، تضاهي رقة الفراشة في دقة دنوها من مآربها المنشودة، لتصنع من اللين قوة ناعمة تبلغ بها غايات القلوب، وتستقر في وجدان المدى بسكينة ووقار، يجمع بين ذكاء الفطرة وعمق الشعور.
تتقن الأنثى ببراعة فطرية فن التواؤم بانسيابية مذهلة، وتتشكل بمرونة فائقة وفق مقتضيات الظرف الملح ومتطلبات اللحظة الراهنة؛ إذ تحوز قدرة لافتة وفائقة على إضفاء الرواء البهي على جفاف الأشياء، أو حتى إلباسها ثوب الجفاء القاسي، استجابةً صادقة لما تنشده سريرتها النقية، وما يمليه عليها نزوعها العاطفي المتدفق، لترسم بوجدانها ملامح الوجود، وتعيد صياغة الواقع بلمسات رقيقة تعكس عمق كينونتها وسلطان مشاعرها.
تترسخ لدى بعض الإناث رؤية مجانبة للصواب، تقضي وجوب محاكاة الرجل الدقيقة لمشاربهن الوجدانية الخالصة، وضرورة تتبعه لطبائع استجاباتهن العاطفية العميقة، بل ومجاراة لغة إفصاحهن الرقيقة في كل شأن؛ مما يولد فجوة من سوء الفهم وسوء التأويل، بينما الحقيقة تكمن في تقدير التمايز الفطري وقبول الاختلاف الجوهري بين كينونتين لكل منهما عالمها الخاص وتصورها المختلف، الذي لا يقلل من روعة اللقاء الإنساني السامي بينهما.
تظل مجاراة فضاءات الأنثى الرحبة، أو بلوغ أقصى آفاق مداركها الغائرة البعيدة، غاية تستعصي على الرجل، مهما أوتي من حكمة وفطنة؛ حيث تظل مساعيه الحثيثة تتبع فيض وجدانها الغامر الدافئ، وتيارات فكرها المتشعبة، في محاولة دؤوبة يغلفها القصور البشري، وقد يصل به الأمر في نهاية المطاف للإخفاق التام أمام هذا الكيان الوجداني العصي على التفسير والمستغلق بأسراره الفطرية العميقة.
يقف الرجل مبهوتاً في دهشة بالغة أمام هذا الكيان الآسر بفيضه، والوجود الجليل المتفرد، الذي يتعذر على الفهم الإحاطة بكنهه، أو حتى القدرة على التفسير الوافي في سياقه المادي المحض؛ إذ يظل سر الأنثى عصياً على القوالب الجافة، ويبقى سحره كامناً في تلك الروح السامية، التي تعلو فوق حدود المادة، لتلامس آفاقاً وجدانية لا تدركها سوى لغة القلوب المترعة بالصفاء.
يحاول الرجل بلهفة وشوق أن يزيل مغاليق هذا الغموض الكثيف لدى الأنثى في رحاب الوجد والذوبان الصوفي؛ حين يستنهض قوى الحدس المتوقد وإشراقات الروح في شطره الذهني، منسلخاً بملء الوعي من حدة التحليل المعتاد وجفاء المنطق؛ ومنغمساً في لغة وجدانية بليغة لا تدرك كنهها الخفي قوالب القياس الجامدة، ولا تسبر أغوارها الموازين المادية الضيقة، ليبقى هذا الوصال أفقاً عصياً على التفسير، رحيباً بمدى الشعور.
غير أن ما يغيب عن الوعي الحاضر أن التمايز المعرفي الواسع والتباينات المتجذرة في النفوس قائمة في الأصل، بين سائر النساء في اختلاف مداركهن العميقة، في خضم فلسفة الفطرة الغنية بأسرارها؛ إذ تتعدد مشارب الأرواح، وتتباين رؤى الوجدان في نسق كوني بديع، يبرهن على أن التنوع هو سر الجمال، وجوهر الكينونة، التي تأبى حصرها في قالب واحد ضيق مهما بلغت دقة التوصيف أو براعة التحليل.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.

 

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة أكاديمية النيل لعظماء الشعر والأدب 2014 - 2015