-->
»نشرت فى : الأربعاء، 29 أبريل 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

ناسٌ من زجاجٍ في مدينةٍ من حجر _ انغام الهادي


 *ناسٌ من زجاجٍ في مدينةٍ من حجر*


في المدينة التي شُيّدت من حجرٍ صلب، يُولد الناس من زجاجٍ رقيق.  

يمشون على الأرصفة بحذر، كأن كلَّ خطوةٍ توقظ شرخًا نائمًا في صدورهم.  

الجدران حولهم عاليةٌ صمّاء، لا يرتدُّ عنها سوى صدى خطواتهم المتعبة.  

يحملون قلوبًا شفّافةً يرى المارُّ من خلالها وجعَ الأمس وخوفَ الغد.  

يتحدّثون فتنكسر أصواتهم على صلابة الوجوه،  

ويرفعون أيديهم للسلام فتصطدم ببرودةٍ لا تعرف الدفء.


في هذه المدينة يتعلّم الزجاجيُّ أن يبتسم وهو يتفتّت،  

أن يُخفي تصدّعه خلف ستارةٍ من المجاملة،  

وأن يرتق هشاشته بخيطٍ رفيعٍ من الصبر.


الحجر لا يفهم لماذا ترتجف الكأس إذا مرّت الريح،  

ولا لماذا يئنّ البريق تحت وطأة اللمسة الثقيلة.  

يقيس القوّة بوزنها، وينسى أن الشفافية تحتاج رفقًا لا ثقلًا.


ورغم ذلك، يُصرّ الزجاجيّون على الحضور.  

يضيئون الشوارع من داخلهم كقناديل معلّقة على حبال الغيب.  

إذا انكسروا نثروا ضوءًا على الأرصفة فاهتدى به عابرٌ غريب،  

وإذا اجتمعوا صنعوا من شظاياهم نافذةً يُطلّ منها الحجر على قلبه الذي نسيه.


ليست المشكلة في رقّة الزجاج ولا في قسوة الحجر.  

المشكلة أن المدينة لم تتعلّم بعد كيف تبني جسرًا بينهما؛  

جسرًا من إنصاتٍ يجعل الحجر يلين قليلًا،  

ويجعل الزجاج يأمن على شفافيته.


حينها فقط تصبح الشوارع بيوتًا،  

وتصير الوجوه أوطانًا لا منافي.


وإلى أن يحدث ذلك،  

سيظلّ ناس الزجاج يمشون على أطراف أرواحهم،  

يحرسون بريقهم من غفلة المارّة،  

ويهمسون للحجر: تمهّل... فكلّنا قابلٌ للكسر.

        بقلمي 

   انغام الهادي

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة أكاديمية النيل لعظماء الشعر والأدب 2014 - 2015