التنمّر _ د. محمود طه
التنمّر: نزيفُ الروح في صمت
حين تتحوّل الكلمات إلى جراحٍ لا تُرى
مِمّا لا شكّ فيه أنّ التنمّر جرحٌ كبير في جسد المجتمع؛
يُضعف تماسكه، ويترك آثارًا مؤلمةً في نفوس أفراده.
وقبل الخوض في تفاصيل هذه الظاهرة، لا بدّ من التعرّف إلى مفهومها، وأسبابه، وآثاره، وسبل معالجته.
تعريف التنمّر:
التنمّر تصرّفٌ مؤذٍ يصدر عن بعض الأفراد، قولًا أو فعلًا، ويترك أثرًا نفسيًّا عميقًا؛
فيُضعف الثقة بالنفس، ويزرع الحزن في القلوب.
أسباب التنمّر:
المتنمّر ليس قويًّا كما يبدو، بل غالبًا ما يُخفي هشاشةً داخلية. ومن أبرز الدوافع:
• غياب الوعي التربوي، وضعف دور الأسرة في التوجيه.
• اهتزاز الثقة بالنفس، ومحاولة تعويض النقص بإيذاء الآخرين.
• الرغبة في لفت الانتباه عبر تصرّفاتٍ خاطئة.
آثار التنمّر:
يترك التنمّر انعكاساتٍ سلبية على الضحية، وقد يدفعها إلى:
• العزلة والانطواء.
• تراجع الثقة بالنفس.
• ضعف التحصيل الدراسي.
• معاناة نفسية (الاكتئاب، التوتر، الحزن).
• وقد يتفاقم الأمر ليصل إلى إيذاء النفس.
مثال عملي:
كان أحد التلاميذ رفيعَ الجسم؛ فكان بعض زملائه يسخرون منه قائلين:
"ما هذا الجسد النحيف؟" ويضحكون عليه.
كان يبكي بحرقة، ثم يبتعد عنهم ويجلس وحيدًا…
لاحظت المعلّمة ذلك، فتقدّمت إليه وسألته بلطف:
— لماذا تجلس بمفردك؟
فأجاب وهو يبكي:
— الجميع يسخر منّي، وأنا لم أخلق نفسي هكذا.
أمسكت بيده وقالت:
— لا تحزن… وتعال معي.
ثم واجهت زملاءه، ووبّختهم على هذا التصرّف، وعلّمتهم درسًا لا يُنسى:
هناك فرقٌ كبير بين أن نضحك معًا، وأن نضحك على بعضنا.
وأكّدت لهم أنّ أجمل ما في الحياة هو جبر الخواطر؛ بالكلمة الطيبة، والفعل الحسن، ورسم البسمة على الوجوه.
عندها أدركوا خطأهم، فاعتذروا لزميلهم، وساد بينهم الاحترام والمحبّة.
سبل المعالجة:
لمواجهة هذه الظاهرة، لا بدّ من تكاتف الجميع، وذلك من خلال:
• نشر الوعي، وتعزيز القيم الإنسانية.
• تربية الأبناء على الاحترام منذ الصغر.
• سنّ قوانين رادعة للتصرّفات المؤذية.
• تقديم الدعم النفسي والمعنوي للمتضرّرين.
خاتمة:
إذا أدركنا خطورة التنمّر، وسعينا إلى معالجته بوعيٍ صادق وتعاونٍ حقيقي،
استطعنا أن نُداوي هذا الجرح العميق، ونبني مجتمعًا تسوده الرحمة والمحبّة.
فلنُطفئ نار التنمّر بنور الرحمة،
ولنكن بلسمًا لا جرحًا،
ويدًا تُداوي… لا تُؤذي.
بقلم الأديب: د. محمود طه




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات