الإنسان والأرض _ منذر حنا
الإنسان والأرض
إيهِ أيتها الأرض ! كيف لجمالك أن يخبو ولسحرك أن يختفي وانت تتجددين باستمرار مجسدة توق الإنسان للعمل والخلق ، الجمال يسبح في أرجائك بعفوية مهدياً النشوة للبشر فتعقد الدهشة حواسهم وتتحول إلى ذهول وخشوع أين منه الصلاة .
أنًى اتجهت وأنًى سرت تكتنفك فتنة ساحرة تأسرك ، أبدعتها يد خبيرة وعقل جميل ، الجمال يجتاحك كخمر معتقة فستيقظ كل حواسك ، في كل صرح أمامك رغم جبروته ؛ تلمس روحاً حيًة تهمس لك برفق فتتيه سعادة وإعجاباً ليس بالأثر فقط بل بمن أبدعه وتقف مبهوراً بالجلال والهيبة لليد التي تفننت وللعقل الذي فكر .
تتنازعك مشاعر مرتبكة ؛ مزيج من الحب والتقدير والإعجاب بهذا الإعجاز وكيف تحول هذا التماهي بين اليد الماهرة والعقل الفاعل إلى دندنة مؤثرة غدت صروحاً وفلسفة وحكماً وقانوناً ورجالاً : الق سيفك واحمل معولك واتبعني لنزرع المحبة في كبد الأرض ) قبل الميلاد ب خمسة آلاف عام ) سرجون الأكادي ، حمورابي ، فيليب العربي ، جوليا دومنا ، القانوني بابنيان وغيرهم الكثير ، يا إلهي كيف تقمص الفكر جمالاً وإبداعاً ونقوشاً ميز الأرض والإنسان وأصبح منزرعاً في كينونته فتجلى رقياً وإنتاجاً وفكراً وإنسانية ، زراعة ، صناعة ، تجارة ، تواصلاً ( الفينيقيون ) واستحال نهراً دافقاً عذباً ؛ صبً في بحر الحضارة الإنسانية فكان أصلاً وفرعاً ، له طعمه الخاص وقيمته الوازنة .
لاأعرف لماذا يتلبسني الحزن وتلفحني رياح الأسى وأنا أتملًى هذه الصروح ، وكأنني أسمع همسات مؤثرة مشحونة بالحزن والغضب من إنسان هذه الأرض وهو مستلقٍ تحت ثراها المبارك يرن في أذني صوته العميق غاضباً :أين أنتم ؟! وماذا فعلتم ؟! فيذوب قلبي حسرة وأكاد أتلاشى ، فأغض طرفي خجلاً من تجليات الجمال بجلاله العظيم .
هذا البوح العامر بالجمال والفكر تحوًل تراث وحضارة حولت : (الغريزة إلى حب ، والعض إلى قبل ، والعربدة إلى إيمان والصرخة لهدهدة عاشق ) ( بتصرف ) فهي تخلف لذة غامرة تنسرب في سويدائك كماء زلال بارد في صيف حار وتتغلغل في خلاياك ، يا لهذا الصمت الجليل يا لهذا التناسق الثر وما هو بالحقيقة إلاً موسيقى أبدعها الإنسان السوري بتوحده مع الطبيعة فانبثق الفكر وشعت المعرفة .... وهلً الجمال ، تألفه بحكم التعود فإن أعملت عقلك ؛ عرفت أنه نتاج عمل دؤوب وفكر نيًر لإنسانها ، حرك يده بالعمل فتطور العقل وأصبح مرجعاً ومعلًماً في مناخ الحرية حين لم يكن هناك حاكم يستبد وكاهن يخرف فبنى وألًف وعلًم وكتب وغنًى ، كل هذه العظمة تفرض عليك الصمت والتأمل ؛ لكن عقلك يمور كبركان فأمامك غاية الخلق والإبداع ( أروع ما نقش مسمار على حجر ) هذه الصروح التي تخترق الفضاء تحسبها جامدة ، في البداية ، لكنك تشعر بالحياة تنبض في نقوشها وانحناءاتها ، وتحس بارتعاشة حية في كل جزء من أجزائها وبالحنان الدافق في كل التفافة وكأنها تمد جسدها إليك فتقف مبهوراً مفتوناً ، هذا السكون الحزين يعبر عن أرواحها الباكية على إنسانها العبقري الأصيل الذي عمل وفكر وكتب وشرًع و. و . إلخ .... إنها أبدع تعبير عن قدرة الإنسان الحر وتطويعه الطبيعة وكيف أنسنها بإنسانيته وجعلها لطيفة طيًعة بعد أن كانت كتلاً حرجة متوحشة ، فدجنها وطاعت ، أحبها فأحبته ، عشقها فبادلته العشق وقدمت له الملجأ والدفء والراحة والمتعة ، وعبرت عن عقله الباحث الجميل وطموحه اللامحدود .
هذه الأرض حضنت الإنسان وكفته من خيراتها وقدمت له خلاصة من مرًوا وأبدعوا وحفزته على العمل اليدوي والعقلي ؛ فاتحد بها وتناغم مع فيضها بتوق وحب فانسجم معها وتجدد في رحابها مستفيداً من تنوع إنسانها ومن ثرائها الفكري والفني في وحدة إنسانية ترفض الثبات ، ديدنها الحركة المستمرة فكان الناتج بشراً وفكراً وحضارة متميزة ، هذا التفاعل الحر الخلاق وإرادة الحياة ذلل الطبيعة بحب وعقل مفتوح فجاءت إليه فاتنة جميلة ووهبته نفسها وأجمل ما لديها من ثقافة ومعرفة وجمال موشىً بالسماحة والكرم .
يا لهذه الروح الحية الساحرة التي تشي بها هذه الصروح التي تحسبها ثابته بينما هي كصقر في السماء ؛ تعتقد أن جناحيه ثابتان بينما هما يخفقان كقلب عاشقة .
ايتها الروح السورية الطموحة : كم أبدعت ؛ وكم قدم إنسانك إلى إخوته في الإنسانية ؛ فكان أصلاً دون غرور وعملاً دون أجر وحافزاً دون منة . آمن بالأرض والإنسان وتفاعل مع من وما حوله بيد ماهرة وعقل شكاك فانثال فكراً وفنًاً وجمالاً ؛ عبر عنه بالأساطير والصروح والفلسفة وكلها حضنها قلب محب ؛ قلب إنسان .
أهذا هو الإيمان الذي تحدث عنه السيد المسيح عندما قال : ( من كان لديه مثقال ذرة من الإيمان وقال للجبل انتفل ... فينتقل ) ؟!
وبعد ..... ماذا جرى ؟
كيف تحول العقل إلى كتلة جامدة متلقية وكيف آلت العزة طأطأة وذل ، وغدا الإنسان مستمعاً ؛ ينفذ ما يملى عليه .... إنها الأيديولوجيا الدينية والسياسية والكبت وتصفيد الحرية وسجن الفكر واغتيال العقل ؛ فأصبح المناخ ممهداً لكل كلاب الأرض ، التي أتت فاتحة أشداقها الشرهة ، كيف لا أليست هي نتاج عالم المال والشركات والجشع والوحشية ؟! جاؤوا من أجل خيراتك أيتها الأرض المباركة أولاً ومن أجل إنسانك وهو الأهم
لكي يبقى تابعاً منفعلاً وانت مراحاً لطمعهم و وحشيتهم ، فكل فعل أو موقف إنساني ؛ شوكة في حلوقهم وقذىً في عيونهم .
لكن الحياة تسير والتاريخ عميق ومتجذر والإنسان أصيل ؛ وطائر الفينيق سينفض الرماد يوماً .
1/9/2020/ منذر حنا




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات