-->
»نشرت فى : الأحد، 31 مايو 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

ويسكنُ الصمتُ التنّور _ طاهر عرابي


 «ويسكنُ الصمتُ التنّور»

طاهر عرابي


دريسدن – 08.08.2021 | نُقّحت في 31.05.2026


---


ما زال الصمتُ يظنّ نفسه أحمق،


يتخفّى، يتلوّى، ويتكسّر في الوجوه.


نسعفهُ ولا يرضى،


وهذا ظلمٌ لنا جميعًا،


حتى بلغَ فينا اليأسُ من عنادهِ


مكانًا يكاد يسبقنا


ليرى كيف نبتلعُ الصمت،


ونهوي بفمٍ مغلقٍ.


نريد أن نتفرغ لمراقبة عصفورٍ


يغردُ،


لنفهم نطاقَ حرصنا على الوجود،


لكننا نتعثّرُ في البدائل،


فنستسلمُ للصمت،


ويسبقُنا العمرُ في تدوين


حروفٍ لا تُقرأ ولا تُفهم.


الصمتُ يتكلّمُ بلغتنا،


ويكتبُ رموزًا فينا:


وجهٌ أضاع عينيه،


ووجهٌ يرى أنَّ أنفَهُ


صار غريبًا عن ملامحه.


والهواءُ خفيفٌ بما يكفي


لكي لا يثقلَ على الوجوه


وقت الصمت.


قال داروين،


حين كسره الأرقُ ذاتَ لحظةٍ خافتة،


مثل ضوءِ قنديلٍ فيه زيتُ الحوت:


“الإنسانُ أصلُه قرد.”


ومنذ ذلك الوقت…


ربما لم يكن محقًّا بشيء،


فكيف تسرّبتْ إلينا صفاتُ القرود:


نعبثُ


حتى يصير اللهوُ فجيعة.


ثم عمَّ الصمتُ…


ذاك الصمتُ


الذي أدهش داروين،


وصمتٌ… وزيتُ الحوت يضيء زعانفًا رمادية


في أذنِ سمكة.


وقال آخرون:


نحنُ شيءٌ آخر،


يشبهُ الورقَ المبتلَّ بماءِ مطرٍ منسي،


تذوبُ ملامحه بين الأصابع،


ولا يتركُ أثرًا للحروف.


لسنا فراشةً،


ولا عندليبًا أغبرَ من غبارِ الطلع،


ولا حتى شيئًا قريبًا من ثمرِ الصبّار.


وفي شبهِنا


يعجزُ الصمتُ عن المقارنة،


ويتركُنا كيانًا


بألفِ شبيهٍ لا يشبهُ أحدًا منا.


رأيتُ القطيعةَ


في بلادٍ تجاوزت محنَ الجفاف،


وصار الماءُ فيها بقعًا


تحبُّها صغارُ الوَزّ.


وفيها البجعُ


يدلي رقابَهُ مجاديفَ فوق الماء،


ويبحثُ عن زورقٍ


يظنّه يحمله.


وكنتُ أنا… صامتًا.


الكلُّ يلهو،


مستأنسًا بوسامةِ العبث.


وقلتُ:


لستُ قردًا، ولا وردًا،


ولا أُطيقُ العجب.


ولدي ما يكفي


لأرى السماءَ بحرًا يغرقني.


وكلُّ طيورِ البجع


لا تستطيعُ الغناءَ للبحيرة،


فلِمَن الشقاءُ إذًا؟


الصمتُ يريدُ أن يحيا،


ولا يهتمُّ بما بدأ أو انتهى.


ولولاهُ


ما عرفنا طُرقَ الهرب.


لكنّي أريدُ شيئًا واحدًا:


أن أتذكّر


كيف تركتُ خبزَ أمي.


كيف أتيتُ أركضُ،


ملهوفًا، مجروفًا،


كأنّ العمرَ لا يعرفُ رصيفًا،


وكأنّه يتوفّى


حين نحاولُ اختبارَ المعنى .


وأعرفُ تمامًا


أنَّ أجملَ ما يُحرّكُ الفمَ


هو خبزُ أمي،


حين تمسحُ بيديها


وجهَ الرغيف.


مات داروين مثل قطارٍ عبرَ فوق سِكّةٍ


لم تبنِها القرود،


ونحن نحفرُ الأرضَ،


نبحثُ عن بصمات،


عن رموشٍ سقطت من عينينا،


ربّما علقتْ في ثوبِ أمي


وهي تُودّعُ وتقول:


“ردّني إلى فرحي،


أو ارتدَّ إلى رحمي.


لا أريدُ أن ألدَ


من يُهاجرُ


بحثًا عن الصمتِ


خلف العيون.


والعجينُ يراوغني


ليهربَ من الألم،


فكيف لنا أن نعيشَ ملتصقين


في تنّورٍ


جدرانُه ترفضُ أن تلدَ الرغيف؟”


مزّقتْ أمي الثوبَ حزنًا،


وضاعتِ اللحظات.


وما معنى الرموش


إذا صار ثوبُ أمي مناديلَ


يمسحُ بها الحرمانُ


بقايا الذكريات؟


أنا إنسان، والقردُ قردٌ،


يفكّرُ في مرحِه


كي لا يسقط.


أمّا أنا فسقطتُ


حين قلتُ: وداعًا.


وداعًا لِمَن…


لم أقوَ على الاختيار.


ودّعتُ نفسي خجولًا،


ولستُ معافًى من كرهِ الحدود


لمن يجتازُها هربًا.


والآن أقولُ للصمت:


تعالَ…


لقد نسيتُك.


اقبلني في جوفِك، ولنبدّلِ الأدوار.


أنا الأحمق، وأنتَ تعرفُ أكثر منّي.


حين سكنتَ التنّور،


وحبلَ الغسيل، وملابسي، وآخرَ خبزةٍ لم تُمضغْ


لأنها كانت تشبه الحجر.


ووجهَ أمي في الليل،


وما تبقّى لها من نهار.


رُدّني يا قدر إلى بيتي،


حتى لو لم يعُدْ في الدارِ دار.


لكنَّ لونَ الأشياءِ


وترتيبَ القلوب


يوحيانِ بأنني


لستُ وحدي مهاجرًا،


والغفرانُ نهرٌ يصبُّ فينا صلاةً.


الصيفُ يعود، والربيعُ لا يخاصمُ المطرَ.


في النومِ


أشعرُ أنني لم أغادر،


وفي الصحو أجدُ التنّورَ يحاربُ الصمتَ


ويحاربُ النسيان.


دريسدن – طاهر عرابي

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة أكاديمية النيل لعظماء الشعر والأدب 2014 - 2015