-->
»نشرت فى : الجمعة، 12 يونيو 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

في الموعد نفسه _ علاء الدين على محمد


 في الموعد نفسه

بقلمى 

شاعر الجنوب 

علاء الدين على محمد


هنا، في نفس المكان، كان أول لقاء بيننا. كان الجو شديد الحرارة، فوقفت تحت ظل هذه الشجرة العتيقة الثابتة في مكانها منذ أعوام كثيرة. كنا نستظل تحتها من حرارة الشمس الحارقة، وكأنها تحفظ بين أغصانها حكاية عمرٍ لم تكتمل.


جلست أنتظر الباص حتى يأتي. كان كل شيء من حولي يذكرني بها؛ بائع الجرائد على الرصيف الآخر، وهذا المطعم بجانبه الذي اقتسمنا فيه أول رغيف خبز بيننا.


أخذني الشوق لأن أذهب إليه وأطلب شيئًا. جلست ونظرت إلى المكان، فلم يتغير كثيرًا. نظرت إلى تلك المنضدة التي كنا نجلس عليها، فوجدتها خالية، كأنها ما زالت تنتظر أصحابها رغم مرور السنين.


فجأة دخل شخص ومعه رفيقته. نظرت إليهما، فكانا يتسامران ويتبادلان الضحكات والنظرات. في تلك اللحظة أحسست بارتعاشة في قلبي لم أعهدها من قبل، وهزة في جسدي كأن شيئًا في داخلي ينهار بصمت.


ماذا أتى بي إلى هنا بعد كل هذه الأعوام؟ لم أجد إلا سرابًا، وبعض الذكريات، وزمنًا مضى ولن يعود. أدركت أن الأماكن لا تشيخ، لكن الذين مروا بها هم الذين يتعبون من حمل الذكرى.


وقفت مغادرًا المكان، وفوجئت وكأن عيني لا تصدقان. هي... نعم، هي نفسها.


توقف قلبي للحظة، ونظرت إليها في صمت رهيب، وتساءلت بيني وبين نفسي: لماذا الآن؟ ولماذا هنا؟ هل هي الصدفة، أم أن للحنين مواعيده التي لا يخطئها؟


تراجعت قليلًا وسألت النادل:


— هل تأتي هذه المرأة كثيرًا إلى هنا؟


قال:


— نعم، في نفس اليوم، ونفس التوقيت، ونفس الساعة.


رجعت بذاكرتي إلى الوراء. إنه نفس اليوم ونفس الوقت الذي كنا نلتقي فيه هنا.


يا إلهي... هل أذهب إليها؟ أم أننا ارتضينا حكم القدر الذي لم يوفق يومًا بيننا؟ وهل يعيد الزمن ما أخذه منا، ولو للحظة عابرة؟


وقف لساني، وتسمرت قدماي. لا أنا تكلمت ولا هي، فقط الذكريات هي من تكلمت. تكلم الوفاء رغم الابتعاد، وتحدث الشوق الذي ظل حبيس القلب كل تلك السنوات.


كان بيننا بحر من الكلمات المؤجلة، لكن الصمت كان أوسع من كل البحار.


فجأة وقفت لتغادر وتمضي، ونظرت إليّ نظرة طويلة دون كلام، ثم أشارت بيدها ورحلت، وكأنها سترحل دون عودة.


هل كانت تنتظر لقائي؟ هل كانت تشعر بأنني سأأتي إلى هنا ولو صدفة؟ أم أنها، مثلي، كانت تأتي لتفتش بين الوجوه عن وجهٍ غاب ولم يغب؟


كم هي مؤلمة الذكريات.


مضيت في طريقي دون أن أدري، وقررت ألا أعود إلى هنا مرة أخرى، فالصمت قاتل لا يرحم، وما

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة أكاديمية النيل لعظماء الشعر والأدب 2014 - 2015