-->
»نشرت فى : الأربعاء، 15 يوليو 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

حكايات الشرفات _ رشا القمحاوي


 حكايات الشرفات...


لا أعلم ما الذي كان يسعدها في أن تجلس لساعات طويلة أمام النافذة، تراقب الشرفات في المباني المقابلة.

كانت تجلس بمنتهي الصبر، تحدق من بعيد، وفي الغالب كانت تلك الشرفات مغلقة الأبواب، خالية من أصحابها، ساكنة كأن الزمن قد توقف عندها. ومع ذلك، لم تكن تراها فارغة ابدأ، بل كانت تملؤها من وحي خيالها، فتنسج لكل شرفة حكاية، وتبتكر لكل بيت شخصيات، وترسم أحداثا تليق بما يوحي به المكان،

كانت هناك الشرفة الخضراء..

المزدحمة بالنباتات والزهور، و هي أكثر ما يلفت إنتباهها. كانت تتخيل أصحابها أناسا مرهفي الحس، يحبون الحياة، ويعرفون كيف يصنعون السعادة من أبسط التفاصيل. أناسا يمنحون وقتهم وجهدهم لما تحبه أرواحهم، فيظهر المكان كما في قلوبهم.

ثم تنتقل ببصرها إلى شرفة أخرى، مكدسة بأشياء قديمة يعلوها الغبار، فتتسأل يا تري كم ذكرى تحتضنها تلك الأشياء؟وكم قصة مرت عليها ومضت؟

وكانت هناك شرفة خالية تماما، لا لأن أصحابها هجروها، ولكن لأن أشغال الحياة قد سرقت منهم وقت الجلوس فيها.

وأخرى أعدت بعناية، مقاعد مريحة، ونباتات مزهره، وطاولة صغيرة، وكأنها صنعت لتستقبل جلسات الثرثرة في المساء، فتظل نابضة بالحياة حتى وإن خلت من الجالسين فيها.

وشرفة أخري لا يزورها أحد إلا لدقائق معدودة، يقف صاحبها ليدخن ثم يختفي من جديد.

وفي شرفة أخري، تجلس سيدة عجوز كل مساء، تراقب المارة بصمت وهدوء، وكأن الشارع هو نافذتها الوحيدة على الحياة.

وهناك شرفات مهجورة، أغلقت أبوابها لأن أصحابها سافروا أو هاجروا، فبقيت الشرفات شاهدة على غيابهم.

وأخري يملؤها ضحك الأطفال ولعبهم، بعدما قررت أمهم أن تجعلها مكان لفوضاهم الجميلة، بدلا من أن تملأ أرجاء المنزل.

وهكذا كانت تمضي الساعات، وهي تنتقل بين الشرفات، لا بعينيها فقط، ولكن بخيالها أيضا.

كانت تعيش داخل القصص التي تؤلفها حتى تكاد تصبح إحدى شخصياتها.

فإن أجمل ما في الخيال أنه يسافر بنا إلى أماكن لم تلمسها أقدامنا، بل نذهب إليها بأرواحنا.

وربما كان ذلك يرجع لروح الكاتبة الكامنة فيها، والتي لم تكن تعلم بوجودها آنذاك.

كانت منذ صغرها تجد متعتها في الجلوس وحدها، لا يصاحبها سوى أشيائها المفضلة.

وكانت ترى في وحدتها مساحة للتأمل، وتجد في خيالها الواسع رفيقا لا يمل ولا يتوقف عن نسج القصص، التي يولد بعضها من الواقع، والبعض الآخر من الخيال. ويلفت انتباهها ما يمر الناس بجواره دون أن يلتفتوا إليه.

و تميل إلى تأمل التفاصيل، ومحاولة فهم الغموض، وفك شفرات من حولها، واستكشاف ما تخفيه الأرواح خلف الكلمات و الملامح.

وكان حدسها يساعدها كثيرا في ذلك، فقد كانت تشعر بالأشخاص، و تقرأ طباعهم، حتى وإن كانوا بعيدين عنها، أو لم تكن تعرفهم إلا من خلف الشاشات.

فالكتابة في نظرها، ليست مجرد كلمات تكتب، بل عين ترى ما يغفل عنه الآخرون، وروح تلتقط التفاصيل الصغيرة، ثم تعيد تقديمها للقارئ في صورة حكاية أو فكرة أو مشهد.

و هي وسيلة تجعل القارئ يرى العالم من زاوية أخرى، ويفهم ما يحيط به بصورة أعمق، ويلتفت إلى الجمال المختبئ في التفاصيل البسيطة، ويتعلم من تجارب الآخرين و رؤيتهم للحياة.

ولعل الكاتب الحقيقي ليس من يملك الكلمات فقط، بل من يملك القدرة على رؤية ما لا يراه سوا، ثم يمنحه للآخرين في صورة حكاية تبقى في الذاكرة، وتترك أثرا في القلب.


أحاديث الروح 

بقلمي رشا القمحاوي

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة أكاديمية النيل لعظماء الشعر والأدب 2014 - 2015