غُربةُ اليقين _ طاهر عرابي
« غُربةُ اليقين»
طاهر عرابي
دريسدن – 28.08.2023 | نُقّحت في 26.07.2026
⸻
نحاولُ الخروجَ من مكانٍ لا نحبّه،
إلى مكانٍ لا نعرفه.
خائفين،
نتشابكُ في زوايا الظلام،
نمسحُ وجوهَ الباكين،
نعذّبُ الماضي بغيرتِنا،
ونربكُ المستقبلَ بفشلِنا.
نحومُ حولَ سياجِ الرحيل،
نحدّقُ عبرَ زجاجِ الشِّباكِ ونسأل:
هل يأتي الصيفُ ليرحلَ بلا زهرٍ ولا ثمر؟
من يطمئنُنا؟
ونحنُ نتدحرجُ بين الفصول،
في كهفٍ يطلّ على وطنٍ لا نبلغه.
من غابَ عنّا خلّفَ الذكرى،
وسارَ بلا خبر،
فهل يعود؟
كم غائبٍ مضى ولم يعد،
وانقلبَ الطريقُ من بعده،
حتى صرنا نفتّشُ عن سببٍ للغياب.
نعودُ فراغاً بين زجاجِ الشِّباك،
نحاصرُ أنفسَنا في دائرة،
كأننا دخلنا صحراءَ القطيعة.
حتى صارَ الدورانُ حولَ اليقين
رحلةَ الفجيعة.
لكننا نغفلُ عن سببِ زوالِ قوسِ قزح؛
السماءُ باقية،
والمطرُ يحومُ في غيمةٍ معلّقة.
ظهرَ قوسُ قزحٍ فوقَ الجبل،
على غيرِ عادته،
هارباً منّا.
حاولنا تفكيكَ ألوانهِ السبعة،
لنرى أيُّ لونٍ يجرؤ أن يكونَ نحن،
فتعثّرنا…
هربَ البنفسجيُّ،
وحلّ محلّهُ لونُ القلق،
وسمّيناهُ لونَ القضيّة.
صرنا نخافُ أن يُكتشفَ وجودُنا على هذه الأرض،
نضيّعُ الوقتَ في حنينٍ فارغ،
ونلتمسُ الشفقة،
لنشعرَ ببراءةِ البقاء.
مقتنعينَ بأنّ البقاءَ مقدّسٌ… دونَ شعائر.
وأنّ ما نعلّقُهُ فوقَ أرواحِنا ليسَ إلا ستاراً
يشدّهُ حبلٌ لا نراه.
فمن يمسكُ الحبل؟
لماذا نبتعدُ عن قلبِ الوجدان،
ونحنُ نحملُ مفاتيحهُ تحتَ الجلد؟
تحتَ الجلدِ،
يتعاركُ الجسدُ مع الروح،
ولا يدركُ متى حدثَ أولُ تفاهم.
ولسنا وحدَنا في حيرةِ الحكاية.
نخرجُ في الصباح،
ورائحةُ القهوةِ ملتصقةٌ بأزرارِ قمصانِنا.
نلمسُها بأصابعِنا، قائلين:
لقد بدأ النهار،
وهذا اليومُ مختلف.
لم نكن سعداءَ كما حلمنا،
لكننا لن نعيدَ الخسارة.
نرجو أن تشرقَ الشمسُ بوضوحٍ أكثر،
فالنورُ وحدهُ يرمّمُ ما تهشّمَ في الليل.
نرجو أن تجمعَ السماءُ سحبَها،
ليسقطَ المطرُ الذي ننتظره.
سنترنّحُ مثلَ غصنٍ أثقلتهُ حباتُ المطر،
ونتمايلُ كقوسٍ يوشكُ أن يكتمل.
نمضي قدماً في فراغٍ لا ينتهي،
نمسكُ بالغاياتِ ليلاً،
ونفشلُ عند الفجر…
فالفجرُ لا يصفحُ عمّن يضيّعُ ليلَه.
هبّ إعصارٌ ينبئُ بانتهاءِ صبرِ الطبيعة،
وسقطَ المطرُ كأنهُ جُرفٌ من قاعِ البحر.
حزمنا الأمتعة،
وحملنا معنا كتاباً بلا سطور،
سنكتبُ فيه ما لم نقرأه.
سنسافرُ إلى الشاطئِ المنحني كقوسِ قزح.
سنسعد…
لكن لماذا لا يفهمُنا المطر؟
ربما لم نصل إلى اليقين،
لكننا عرفنا غربتَه.
هناك أرضٌ عند الغرباء،
وهنا أرضٌ تشبهُنا… في غربةِ اليقين.
دريسدن- طاهر عرابي




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات