زيف المقايضة _ شذى عباس

زيف المقايضة: كرامة الفطرة بين فخ الخبز وأفق الحرية
في أسواق العبودية الفكرية والاجتماعية، تُعرض أقسى المقايضات: أن تبيع الروح حريتها لتشتري خبز يومها، وكأن كرامة الإنسان مجرد سلعة تُقايَض بالبقاء المادي. إن الوعي الأصيل يدرك أن "الخبز مقابل الحرية" هو فخٌّ يُنصب لتدجين الفطرة؛ فالحرية ليست رفاهية فكرية، بل هي الركن الأساسي الذي لا يستقيم بدونه عيشٌ ولا استخلاف. وحين يقبل الإنسان أن يقتات على خبزٍ مغموس بالذل، فإنه لا يفقد صوته وفكره فحسب، بل يفقد إنسانيته التي كرمها الله جل وعلا حين قال في محكم تنزيله: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا». هذا التكريم الإلهي جعل الرزق حقاً مكفولاً مقترناً بالكرامة، لا سوطاً يُساق به الأحرار.
إن الخوف من فوات الرزق هو المدخل الأول الذي تتسلل منه الأقنعة والسياسات لتكبيل العقول وتزييف الواقع، فيظن الضعفاء أن لقمة العيش بيد البشر، غافلين عن الحقيقة المطلقة التي تحرر الروح من عبودية الخوف والتبعية، كما صرّح البيان القرآني لقطع دابر هذا الترهيب: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ». وحين يتحرر الإنسان من الخوف على خبزه، يمتلك شجاعة التفكير والتعبير، فلا يعود يرى في وعود المستبدين إلّا سراباً يخطف الأبصار لكنه يورث التيه والتبعية.
إن البيئة التي تخيّر الإنسان بين بطنه وعقله هي بيئة ملوثة تسعى لإغراق السفن من داخلها بنشر الوهن والقبول بالاستعباد. لكن الفطرة السليمة تأبى الانحناء؛ فالأمان الحقيقي لا ينبع من وفرة الخبز في ظل القمع، بل من الطمأنينة النفسية والتحرر من ربقة الخوف والظلم. فكم من قرية عاشت رغداً مادياً لكنها كفرت بنعمة الحرية والوعي فتبدل حالها، كما حذرنا الله تعالى في كتابه: «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ». فامضِ بوعيك حراً، ولا ترتضِ لقمةً تسلبك سيادة فكرك، واعلم أن الحرية هي التي تصنع خبز الشرفاء، وتأخذ بالبشرية إلى موطنها الفطري النقي.
شذى عباس



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات