فوقَ الصفيحِ ورد _ طاهر عرابي
«فوقَ الصفيحِ ورد»
طاهر عرابي
دريسدن – 04.08.2024 | نُقّحت في 15.07.2026
الشمسُ التي أحببتُ
تميلُ للغروبِ قبل الغروب،
تدلّني على ملاذٍ أرحبَ من مسيرٍ مؤجَّل،
والليلُ الذي آنستُ لونَه،
يشتدُّ حُلكةً ليُخبّئني،
حتى في ضوءِ الشموع.
رهاني على التخفي؛
فالليلُ يحملُ سرَّه،
والضوءُ يفهمُ أنَّ المؤجَّلَ
امتدادٌ للرؤية.
في حيرتي،
وجهي يكتسي شُحوبَ الخسوف،
ولا أخجلُ من عِراكي الطويلِ مع الوحدة،
بين وَقْعِ ما أحلمُ به،
وما أفكّرُ فيه،
وبساطةِ الغرقِ الوديعِ
بين كثبانِ الأمل.
غريبٌ أنا،
أتوهّجُ بألوانِ العبث،
حين يمرُّ قوسُ قزحٍ فوقَ تعبِ الأرض،
فأتذكّرُ قصيدةً لشاعرٍ رحّال،
أنشدها في فراقه،
عن خيمةٍ وسطَ الصحراءِ المدنية،
باكيًا شوقَهُ المفقود،
وقد أخطأ —
حين قالها ولم يفهمها،
وحين رحل ليكتبَ غيرها.
لكنني،
لم أفارقْ أحدًا مثلَه،
فوطني كان اسمًا بلا كيان،
وطريقي يمرُّ بالغربة —
ولم تكن غريبةً؛
أرصفتُها اعتذرتْ عن حوارِ الطريق،
وماتتْ دون أثر.
أمّا طريقُ الشاعرِ المنكوب،
فكان من عرشٍ لا يطيقُ الغربة،
إلى عرشٍ دلَّهُ على كيفية الرحيل،
فصار شريدًا في فيافي الغربة.
مات الشاعر،
لكن بقيتِ القصيدةُ معلّقةً،
لمن يشتهي النحيب،
على أوراقِ التعب؛
يهطلُ عليها مطرٌ بنيٌّ،
ويرسمُ صمتَ الفقدِ الأسود.
وأمضي،
بهدوءِ اليقين،
أعلمُ أنَّ على أضلاعِ الوردِ شوكًا،
وفي العطرِ حنينًا،
وفي المطرِ حكمةً للعاشقين.
لا أفقدُ نفسي في حزنِ الآخرين،
فقد يكفيني ما أحمله من أثر،
ولي طريقٌ لا يشبهُ طريقَ العابرين؛
فالوصولُ يُولدُ من الطريق،
إن احتملتْ ساقايَ
شوكَ التعب.
رجّتِ الأقدامُ المغرورةُ هذا العالم،
كأنَّ الوجودَ مِلكُ من يقدر،
لكن… لا أحد يقدر.
والأقدامُ نفسها،
صارت أشواكًا من عظمِ الشظايا،
تلتصقُ بحجرٍ بارد.
الخلودُ الشخصي،
وَهمٌ يتبدّدُ
عند أول امتحانٍ في البقاء.
والقوةُ مثلُ الريح — لا وطنَ لها،
تمضي… ثم تعود،
محمّلةً بما أفسده العقلُ
حين استسلمَ لوهمٍ مصقول.
كلُّ ما نخسره… خسارة،
حتى ولو كان ذرّةً من عدم.
لن تسكنكَ البهجةُ،
إن لم تتعلّم كيف تنظر:
إلى الغافي تحت لحافه،
وقد صار نمرودًا… يتجبّر.
لا توقظه؛
اتركْ لضحكتكَ أن تسبقه،
فربّما كانت الضحكةُ
آخرَ أسلحةِ الباقين.
نمضي، جميعًا،
متكئين على حواسٍّ وهبها اللهُ
لمن تذكّرَ نفسهُ إنسانًا،
فما زالت الأصابعُ تجدُ في الثلجِ بردًا،
وفي الشمسِ دفئًا غنيًّا بالرحمة،
وفي حملِ التفاحة… قوّةَ الحياة.
هي الحياة —
نشيدُ الجميعِ في عُشِّ الجمال،
بقيتْ كما وُلدت: بستانًا،
لم يغبِ الجمالُ عن الوجوه،
لكنّ العيونَ صارت ترى الامتحانَ
درسًا في الأزليّة.
نرتفعُ، ننحدرُ، نقفُ، ننزلقُ،
وما سيتبقّى لنا
يبقى مجهولًا —
حتى لو فاتَ الأوان،
فقد رأينا أحلامَنا عرسًا
ترقرقَ حتى صار وردةً.
سينبتُ العشبُ الورديُّ فوقَ صفيحِ البيوت،
فلننتظرْ رقصاتِ المطر،
وغبارَ الأرض،
ففيه رحمةٌ للجذور.
نحنُ غرباء،
نرحلُ في الأرض،
نحملُ شِباكًا تُسلّي الأحلام،
وبستانًا،
وجسرًا فوقَ نهر.
كلُّ شيءٍ يصبُّ حضورًا
في بحرٍ من الشوق،
وفي غربتنا،
نزدادُ حبًّا
للحياة —
فمن رافقَ الشوقَ،
لا يطيقُ الملل.
(ط. عرابي – دريسدن)




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات