عندما رنَّ الجرس الأخير _ راضية الطرابلسي
عندما رنَّ الجرس الأخير... لم ينتهِ الدرس
هناك لحظةٌ لا يعلن فيها الوقت نهايته، بل يوقظ ذاكرةً كاملة
لحظةٌ يتوقف عندها عقرب العمر قليلًا، كأن الزمن يضع يده على كتف الذاكرة ويهمس لها: تكلّمي... فقد آن أوان الحكاية
وفجأة
يعود جرس المدرسة إلى مسامعي، ذلك الجرس الذي كان يملأ الساحة بالحركة كل صباح، وتعود وجوه التلاميذ، وحقائبهم الصغيرة، والنشيد الوطني التونسي المنبعث من حناجرهم وهم يصدحون "نموت نموت ويحيا الوطن " ورائحة الطباشير والحبر والكراسات التي كانت تصنع عالمًا كاملًا بين جدران القسم
تعود السبورة، ودفتر المناداة، والمقاعد الخشبية، وضجيج الفناء، وتلك العيون التي كانت تحمل أحلامًا أكبر من أعمار أصحابها
أعود
لا كمعلمة أنهت رسالتها، بل كأمٍّ ما زالت تحفظ أسماء أبنائها في القلب
أتذكر ليالي تصحيح الكراسات، وأنا أبحث بين الأخطاء عن محاولة تستحق التشجيع، وبين السطور عن طفل يحتاج كلمة ثقة. كنت أقرأ ارتعاشة القلم، وأفهم صمت العيون، وأعرف تلميذي قبل أن ينطق اسمه
لم تكن الأعداد أرقامًا في سجل، بل كانت أفراحًا وأحزانًا، نجاحاتٍ أحتفل بها كأنها نجاحي، وتعثراتٍ أحمل منها شيئًا في قلبي
ثم يمضي الزمن
ويكبر أولئك الصغار
يغادرون المقاعد، ويحمل كل واحد منهم حلمه إلى الحياة. يصير بعضهم طبيبًا، أو مهندسًا، أو أستاذًا، أو إنسانًا يحمل في ذاكرته أثر من آمن به يومًا
وفجأة
يرن الهاتف
يأتيني صوتٌ رجوليّ، لكنني أسمع خلفه صوت الطفل القديم
"أستاذتي... أنا فلان "
في لحظة واحدة تعود السنوات
يعود القسم، والسبورة، والطباشير، والكراس الأزرق، وتعود ابتسامة ذلك التلميذ الذي كان يجلس أمامي ذات يوم
ثم يقول
"كنتِ أول من آمن بي... وما أنا عليه اليوم يحمل شيئًا من يديك
فأبتسم
وتسبقني دموعي
دموع فرح وامتنان وحنين، دموع من يرى غرسه قد أزهر بعد سنوات طويلة
عندها أدرك أن المعلم لا يتقاعد حقًا؛ قد يغادر المدرسة، لكنه لا يغادر القلوب التي علّمها. تبقى الأصوات، والوجوه، والذكريات، وتبقى الرسالة حيّة في أرواح من مرّوا من أمام سبورته
واليوم
عندما رنَّ الجرس الأخير، لم أشعر أنني وصلت إلى النهاية، بل أدركت أنني أفتح بابًا جديدًا
فالتقاعد ليس نهاية حياة، بل بداية زمن آخر؛ زمن لا يُقاس بالساعات، وإنما بالأثر الذي نتركه في الآخرين
فبعض الدروس لا تنتهي بانتهاء الحصة، وبعض الرسائل لا تنتهي بانتهاء السنوات
وعندما رنَّ الجرس الأخير... لم ينتهِ الدرس
راضية الطرابلسي تونس
Rahma Mohamed @à la une




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات