حينَ صارَ التُّرابُ إنسانًا _ محمود متولي
حينَ صارَ التُّرابُ إنسانًا
قلم: محمود متولي
لَمَّا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْدُو الضِّيَاءُ بِكَوْنِهِ
جَعَلَ التُّرَابَ مَهَابَةَ الإِنْسَانِ
وَاخْتَارَ مِنْ صَمْتِ الطِّينِ قَبْضَةَ خَالِقٍ
فَتَفَتَّحَتْ بِالنُّورِ عَيْنُ زَمَانِ
وَنَفَخْتَ فِيهِ مِنَ الرُّوحِ الَّتِي سَمَتْ
فَغَدَا التُّرَابُ قَصِيدَةَ الرَّحْمٰنِ
وَعَلَّمْتَهُ الأَسْمَاءَ حَتَّى أَدْرَكَتْ
أَنَّ المَعَارِفَ مِفْتَاحُ العِرْفَانِ
فَتَحَيَّرَتْ سُبُلُ المَلَائِكِ حَوْلَهُ،
إِذْ شَاهَدُوا سِرَّ العُلَا الرَّبَّانِي
لَمْ يَكُ فَضْلُ الطِّينِ فِي تَرْكِيبِهِ،
بَلْ فِي الأَمَانَةِ وَالإِيمَانِ
وَكَتَبْتَ فَوْقَ قَلْبِهِ: «اِسْتَخْلِفْ» فَلَا
تُفْسِدْ، فَإِنَّ الأَرْضَ دَارُ أَمَانِ
مَا كَانَ نَهْيُ الشَّجَرَاتِ لِثَمْرَةٍ،
بَلْ كَانَ مِيزَانًا لِحُرِّ جَنَانِ
لِيَعْلَمَ الإِنْسَانُ أَنَّ كَرَامَةً
لَا تُسْتَمَدُّ مِنَ الهَوَى، بَلْ مِنْ تَفَانِي
فَلَمَّا تَعَثَّرَ لَمْ تُغَلَّقْ رَحْمَةٌ،
بَلْ قَالَ رَبُّ العَالَمِينَ: دَنَانِي
فَبَابُهُ لِلْعَائِدِينَ مُشَرَّعٌ،
وَهُوَ الْغَفُورُ لِتَائِبٍ أَوَّابِ
مِنْ هُنَا ابْتَدَأَتِ الحِكَايَةُ كُلُّهَا،
وَمِنَ التُّرَابِ تَشَكَّلَ الإِنْسَانُ.
(الاختيار... والزلة... والتوبة)
مَا كَانَ نَهْيُ اللهِ حِرْمَانَ الْفَتَى،
بَلْ كَانَ مِيزَانًا لِكُلِّ جَنَانِ
إِنَّ الحُرِيَّةَ لَيْسَ يَكْمُلُ نُورُهَا،
حَتَّى تُزَكِّيهَا يَدُ الإِيمَانِ
وَالنَّفْسُ تَعْلُو كُلَّمَا غَالَبْتَ مَا
تَهْوَى، وَتَصْغُرُ عِنْدَ كُلِّ هَوَانِ
فَأَتَى الْعَدُوُّ يُزَخْرِفُ الْأَحْلَامَ فِي
ثَوْبِ الْخُلُودِ، وَزِينَةِ الْأَمَانِي
حَتَّى إِذَا مَالَتْ خُطَى الْإِنْسَانِ عَنْ
دَرْبِ الْهُدَى... عَادَتْ إِلَى النُّقْصَانِ
لَكِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ بِرَحْمَةٍ
فَتَحَ الرُّجُوعَ لِتَائِبٍ نَدْمَانِ
فَعَلِمْتُ أَنَّ الْمَجْدَ لَيْسَ بِأَنْ لَا
تَزِلَّ قَدَمٌ، بَلْ بِحُسْنِ أَوَابِ
إِنَّ الَّذِي يَبْكِي عَلَى تَقْصِيرِهِ،
أَدْنَى إِلَى الرَّحْمٰنِ مِنْ مُخْتَالِ
مِنْ تِلْكَ زَلَّةِ آدَمٍ وُلِدَتْ لَنَا
سُنَنُ الْجِهَادِ، وَحِكْمَةُ الْأَزْمَانِ
فَالْأَرْضُ لَيْسَتْ مَنْفًى لِمُعَاقَبَةٍ،
بَلْ مَيْدَانُ تَكْلِيفٍ وَعُمْرَانِ
فَامْشِ الْحَيَاةَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّمَا
بَيْنَ الْبِدَايَةِ وَاللِّقَاءِ امْتِحَانُ.
تَأَمَّلْتُ هَذَا الْكَوْنَ وَهْوَ مُسَبِّحٌ،
فَرَأَيْتُ كُلَّ الْكَائِنَاتِ بِمِيزَانِ
لَا النَّجْمُ يَسْبِقُ فِي السَّمَاءِ مَدَارَهُ،
وَلَا الشُّمُوسُ تَمِيلُ لِلْعُدْوَانِ
وَالْبَحْرُ يَعْرِفُ حَدَّهُ مُتَعَبِّدًا،
فَلِكُلِّ مَوْجٍ وَقْفَةٌ وَأَذَانِ
وَالرِّيحُ تَخْفِضُ جَنَاحَهَا مُتَأَدِّبًا،
حَتَّى إِذَا أُمِرَتْ غَدَتْ طُوفَانِ
فَإِذَا أَطَاعَ الْكَوْنُ رَبَّهُ كُلُّهُ،
فَلِمَ اخْتَصَمْنَا نَحْنُ بِالطُّغْيَانِ؟
إِنَّ الْحَضَارَةَ لَيْسَتْ الْأَحْجَارَ إِنَّمَا،
رُوحٌ تُشَيِّدُهَا يَدُ الْإِحْسَانِ
وَالْعِلْمُ إِنْ لَمْ يَهْتَدِ بِضَمِيرِهِ،
غَدَا عَلَى أَهْلِ الْوَرَى نِيرَانِ
وَالْمُلْكُ إِنْ لَمْ يَعْدِلِ اسْتَحَالَةً،
يُورِثُ الْأَوْطَانَ الْأَسَى وَالْهَوَانِ
لَا يَرْفَعُ الْإِنْسَانَ كَرْسِيُّ الْعُلَا،
بَلْ يَرْفَعُ الْإِنْسَانَ صِدْقُ الْجَنَانِ
وَإِذَا تَهَاوَى الضَّمِيرُ فَلَا تَسَلْ،
كَمْ مَعْبَدٍ أَوْ قَصْرِ ذِي بُنْيَانِ
فَالْحَقُّ يَبْقَى، وَالْبِنَاءُ إِذَا خَلَا
مِنْهُ، تَهَاوَى قَبْلَ مَرِّ زَمَانِ.
(العودة... وحصاد الأمانة)
وَيَمُرُّ عُمْرُ الْمَرْءِ مِثْلَ سَحَابَةٍ،
وَيَظَلُّ مَا زَرَعَتْ يَدَاهُ يُرَانِي
لَا الْمَالُ يَبْقَى، لَا الْقُصُورُ، وَلَا الَّذِي
شَادَ الْمَجَازَ عَلَى دَمِ الْإِنْسَانِ
يَبْقَى الْأَمِينُ، إِذَا مَضَى، فِي ذِكْرِهِ،
كَالنُّورِ يَجْرِي فِي دَمِ الْأَزْمَانِ
وَالْعَدْلُ أَبْقَى مِنْ جُيُوشٍ كُلِّهَا،
وَالْبِرُّ أَقْوَى مِنْ جَمِيعِ حِصَانِ
فَإِذَا دُعِيتَ إِلَى الْحِسَابِ فَلَا تَقُلْ:
مَاذَا مَلَكْتُ؟ وَقُلْ: مَاذَا أَعْطَانِي؟
هَلْ كُنْتُ جِسْرًا لِلضِّعَافِ إِذَا اشْتَكَوْا؟
أَمْ كُنْتُ بَابًا أُغْلِقَتْ بِهِ الْمَعَانِي؟
هَلْ كُنْتُ أُحْيِي بِالْمَحَبَّةِ قَلْبَ مَنْ
ضَاقَتْ بِهِ الدُّنْيَا وَسَاءَ زَمَانِي؟
هَلْ كُنْتُ أَحْمِلُ مَا حُمِّلْتُ مِنَ الْهُدَى،
أَمْ بِعْتُ عَهْدِي لِلْهَوَى بِثَمَانِ؟
فَإِذَا وَقَفْتَ أَمَامَ رَبِّكَ خَاشِعًا،
فَاجْعَلْ جَوَابَكَ صَادِقَ الْوِجْدَانِ
قُلْ: يَا إِلٰهِي، مَا بَلَغْتُ كَمَالَهُ،
لَكِنَّنِي أَفْنَيْتُ عُمْرِي دُونَهُ
إِنْ كَانَ لِي فِي الصَّالِحَاتِ بَقِيَّةٌ،
فَبِفَضْلِكَ الْمَمْدُودِ وَالْإِحْسَانِ
هَذَا التُّرَابُ إِذَا أَطَاعَ إِلٰهَهُ،
سَمَا عَلَى الْأَفْلَاكِ وَالْأَزْمَانِ
مَا بَيْنَ قَبْضَةِ طِينِهِ وَرُجُوعِهِ،
سِفْرُ الْخُلُودِ... وَقِصَّةُ الْإِنْسَانِ.
.
شاعرالكنانة




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات