ظلٌّ يوقظُ قمرَ النسيان _ عاشور مرواني
ظلٌّ يوقظُ قمرَ النسيان
في الليلةِ التي تسلَّقتْ فيها الأرصفةُ
إلى شرفاتِ النوم،
وجدتُ يدَكِ اليسرى
توقظُ القمرَ
من قيلولتِهِ
في فنجانٍ مثقوب.
وكانتْ يدي اليمنى
ترحلُ
في قطارٍ
من ورقِ التوت،
لا يحملُ تذكرةً،
ولا يعرفُ
أيُّ الجهاتِ
تبدأُ من النسيان.
لم يبكِ أحد.
كانتِ الدموعُ
قد سبقتْ أصحابَها
إلى عيونِ التماثيل.
وحدَهُ
غبارُ المعطفِ
انخلعَ عن كتفِه،
وقالَ
بصوتِ وترٍ
نسيَ موسيقاه:
«الحبُّ
يتركُ الإناءَ
ليتعلَّمَ الفراغُ
كيف يمتلئ.»
على الرصيفِ المقابلِ للوقت،
كانتِ امرأةٌ
تبيعُ
ظلالَ العشاقِ السابقين.
كلُّ ظلٍّ
ينبضُ
باسمِ مَن غاب.
دفعتُ لها
ما تبقّى
من يقظتي.
فناولتْني
ظلَّكِ الأخير،
الظلَّ
الذي خلعتهِ
قبلَ أن تدخلي
نهرَ الصمت.
كانَ الظلُّ
دافئًا
كدفءِ
ذكرى
لم تقعْ بعد.
ألبستُهُ قميصي.
وأجلستُهُ
أمامَ المرآة.
لكنَّ المرآةَ
أعرضتْ عنه،
وأعادتْ إليَّ
شجرةَ لوزٍ
تشربُ
من نافذةٍ
أطفأها الغياب.
عندها
فهمتُ
أنَّ الرحيلَ
ليسَ أن تمضي،
بل أن تُقيمَ
في الشيءِ
الذي يحولُ
بينكَ
وبينَ لمسِهِ.
أن تصيرَ
هواءً
في رئةِ بيتٍ
أغلقَ بابَهُ
على قرنٍ من الصمت.
وأن تكونَ
الصوتَ
الذي لم يبلغْ
صداهُ،
لأنَّ الطريقَ
احترقَ
قبلَ أن يصل.
كانتِ القصيدةُ
تمشي
بحذاءٍ من بخار،
فوقَ حبلٍ
بينَ حلمين.
وتحتها
كانتْ أحرفُ العاشقين
تنامُ
مثلَ بذورٍ
تنتظرُ
مطرًا آخر.
كلُّ صورةٍ
كانتْ
تفتحُ
بابًا
لصورةٍ
أبعد.
حتى صارَ الحبُّ
ذاكرةً
ترتدي
وجهَ الألم.
وفي السطرِ
الذي ظننتُهُ الأخير،
وجدتُ رسالةً
من زمنٍ
لم يولدْ بعد.
قالت:
«لسنا نخيطُ الريح،
نحنُ
الخيطانُ
التي تفتَّقتْ
حينَ مرَّتِ الريح.»
ثمَّ
تفتَّحَ الصمت.
كما تتفتَّحُ
ندبةٌ
تذكَّرتْ
أنها كانتْ
وردة.
ومن رحمِ المعنى
خرجَ طفلٌ
من لهبٍ أزرق،
يركضُ
بينَ السطور،
ويُسمّي الأشياءَ
بأسمائِها
التي نسيتْها اللغة.
وحينَ
أغلقَ اللهبُ
عينَهُ الأخيرة،
لم يبقَ
غيرُ ظلٍّ
يوقظُ
قمرَ النسيان.
وكانَ القمرُ
يقرأُ
على ماءِ الغياب،
الاسمَ
الذي سقطَ
من فمِ الضوء.
عاشور مرواني




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات