الصمت _ أحمد عيسى
إليكم أصدقائي في كل مكان هذه القصة القصيرة المستوحاة من أجواء الصمود في مدينة السويس عقب نكسة يونيو 1967:
قصة قصيرة. الصمت
======= ===
كانت شمس الظهيرة تصبّ لهيبها فوق بيوت السويس القديمة. الرائحة المميزة للبحر امتزجت بدخان الحريق المتصاعد من الزيتيات. كانت المدينة تخلو رويداً رويداً من سكانها بعد قرار التهجير، لكن بعض الذين امتزجت أرواحهم بترابها رفضوا الرحيل.
في حارة ضيقة تطل على القناة، كان "عم أمين" يتكئ على جدار بيته المتهدم جزئياً. رجلٌ سبعينيّ، أكلت الشمس ملامحه وترك السن على وجهه تجاعيد تشبه خرائط القناة. كان يمسك بين يديه راديو قديماً ملفوفاً بشريط لاصق، يضغط على أزراره يبحث عن أي صوت يكسر السكون المطبق، لكن الراديو لم يخرج منه سوى الحفيف المزعج.. ثم عاد الصمت.
الصمت هنا لم يكن مجرد غياب للصوت؛ كان صمتاً ثقيلاً، مشحوناً بالترقب والمواجع. صمتٌ يصرخ بأسرار الشوارع التي خلت من بائعي السمك وصبيان الحارة، وبأصداء الانفجارات التي هزت الأركان قبل أيام قليلة.
فجأة، قطعت هذا الصمت خطوات عسكرية متسارعة. ظهر من زاوية الشارع شاب في أواخر العشرينيات، يرتدي بزة عسكرية مغبرة بالتراب والبارود، ويحمل بندقيته بتمسك شديد. كان الشاويش "حسن"، أحد أبطال الجيش المرابطين على الخط الأمامي.
توقفت خطوات حسن حين أبصر العجوز الجالس وسط الخراب. اقترب منه وهو يلهث، والعرق يقطع خطوطاً داكنة على وجهه المغبر:
– "يا عم أمين! لسه هنا؟ الناس كلها هجّرت للزقازيق والقاهرة.. القصف ممكن يرجع في أي لحظة، لازم تتحرك مع آخر عربية طالعة!"
رفع عم أمين عينيه الباهتتين نحو الجندي الصغير، وتبسم ابتسامة هادئة لا تتناسب مع جحيم المكان، ثم هز رأسه نفياً وقال بصوت خفيض ولكنه ثابت كالجبل:
– "أسيب مين يا حسن؟ أسيب البيت اللي اتولدت فيه وأبوك اتولد فيه؟ الأرض دي لو سيبناها للصمت.. الغريب هو اللي هيملأ الفراغ."
جلس حسن على العتبة المكسورة بجوار العجوز، وأسند بندقيته إلى الجدار. والقي نظرة نحوالقناة الممتدة على بعد خطوات؛ كانت المياه هادئة بشكل مستفز، وكأنها لم تشهد جحيم الأيام الماضية.
ساد الصمت بينهما مجدداً، لكنه لم يعد صمتاً موجعاً كما كان قبل قليل. كان صمتاً من نوع آخر.. صمت التفاهم والأُنس، صمت اثنين يعرفان أن بقاءهما هنا هو أول خطوة في معركة لم تبدأ بعد.
سحب حسن من جيبه علبة سجائر مجعدة، أشعل واحدة وقدمها للشيخ، ثم قال وهو ينظر إلى الأفق البعيد:
– "البلد دي مش هتقع يا عم أمين.. الصمت ده مش استسلام، ده الهدوء اللي قبل العاصفة. والله لنرجعها."
نظر عم أمين إلى الجندي الشاب، ورأى في عينيه الإصرار نفسه الذي رآه في عيون أجداده من قبل. وضع يده الثقيلة على كتف حسن وقال:
– "عارف يا بني.. طول ما فيه قلب ينبض هنا، السويس مش هتموت. اتركهم يستمتعون بالصمت الحين.. بكره يدوي صوتنا من جديد."
مساء ذلك اليوم، سقطت قذيفة جديدة على مسافة غير بعيدة، اهتزت لها الأرض وتناثرت الأتربة. لكن عم أمين لم يتحرك من مكانه، وحسن مسك بندقيته بقوة أكبر، وظلا هناك.. يحرصان المدينة، وينتظران الفجر.
تمت
أحمد عيسى




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات