جرائم دون محاضر _ الزهرة العناق
..... جرائم دون محاضر
هناك جرائم لا تصل إلى قاعات المحاكم،
ولا تُسجَّل في محاضر الشرطة،
ولا يملك القانون نصوصًا كافية لمعاقبتها،
لكنها تترك في الروح ما قد تعجز السنوات عن نسيانه.
جرائم تُرتكب بكلمة،
أو نظرة،
أو تجاهل،
أو وعدٍ كاذب،
أو صمتٍ جاء في الوقت الذي كان فيه الكلام نجاة.
من بين هذه الجرائم التي لا يبلغ صداها المحاكم:
أن تمنح إنسانًا الأمان، ثم تجعله يكتشف أنك كنت أكثر من خانه أو طعنه.
أن تفتح له قلبك، فيستعمل أسرارك يوم الخصام سلاحًا ضدك.
أن ترى شخصًا ينهار أمامك، وتختار أن تدير وجهك؛
ليس لأنك عاجز عن مساعدته، بل لأن ألمه لم يعد يعني لك شيئًا.
أن تجعل إنسانًا يشك في نفسه،
وفي قيمته، وفي جمال روحه،
حتى يقضي عمره محاولًا إثبات أنه يستحق الحب.
هناك من لا يضربون أجساد الناس،
لكنهم ينهكون أرواحهم كل يوم.
يُحسنون اختيار الكلمات التي توجع،
ثم يختبئون خلف عبارة:
«كنت أمزح.»
وهناك من يمارسون الخيانة دون أن يخونوا علاقة بالضرورة؛
يخونون الصداقة حين يكشفون سرًا،
ويخونون الثقة حين ينقلون حديثاً،
ويخونون العِشرة حين يحوّلون لحظات الضعف إلى مادة للسخرية.
ومن الجرائم الصامتة أيضًا
أن تفرح بسقوط شخصٍ كان يومًا يتمنى لك الخير.
أن ترى نجاحه فتبحث عن عيبه،
وترى سقوطه فتشعر بالانتصار.
أن تجعل المقارنة أسلوب حياة،
فتسرق من الآخرين فرحتهم،
ومن نفسك سلامك.
وهناك جريمة أخرى لا يلتفت إليها كثيرون:
أن تعتذر بعد أن تكرر الأذى نفسه.
فالاعتذار الذي لا يغيّر السلوك
قد يتحول من فضيلة إلى وسيلة لإبقاء الباب مفتوحًا أمام الجرح.
نعيش في زمن أصبحت فيه القسوة مألوفة،
حتى إن الناس اعتادت رؤية الألم دون أن تتوقف عنده.
طفلٌ يُسخر منه في المدرسة،
وشخصٌ يُهان في مكان عمله،
وإنسانٌ يُقصى لأنه مختلف،
وامرأةٌ تُحاصر بالكلمات الجارحة،
ورجلٌ يخفي انكساره خلف صمت طويل،
ومسنٌّ يُزجّ به في دار العجزة، ليس لأنه فقد قيمته،
بل لأن من حوله فقدوا القدرة على تقدير قيمته.
كل ذلك قد لا يكون جريمة في دفتر القانون،
لكنه جريمة في دفتر الإنسانية.
القانون قد يعاقب من سرق مالك،
لكنه لا يستطيع دائمًا أن يعيد إليك ثقتك بمن سرق طمأنينتك.
وقد يعاقب من اعتدى على جسدك،
لكن من يعيد للروح كرامتها بعد سنوات من الإهانة؟
ومن يعاقب من جعل إنسانًا ينام كل ليلة وهو يسأل نفسه:
هل أنا فعلًا لا أستحق أن أكون كما أريد؟
ليست كل الجرائم لها سكين،
ولا كل الجراح تنزف دمًا.
بعضها يأتي في هيئة أبٍ لا يهتم لحال أهله،
وأمٍّ تقارن،
وصديقٍ يخون،
ومعلّمٍ يحطم،
ومسؤولٍ يهين،
وشخصٍ يستغل حاجة غيره،
ومجتمعٍ يصفق للناجح ويسخر من المتعثر.
وقد تكون الجريمة أحيانًا
أن ترى إنسانًا يُظلم،
وتختار الصمت لأن الوقوف إلى جانبه قد يكلّفك الكثير.
ليس الصمت دائمًا حيادًا؛
أحيانًا يكون شريكًا صامتًا في صناعة الألم.
وقد يكون التمييز جريمة أخلاقية قبل أن يكون قضية قانونية؛
حين يُحكم على الإنسان من مظهره،
أو عمره،
أو اختلافه،
أو ظروفه،
فتُغلق في وجهه أبوابٌ كان يستحق أن تُفتح له.
فقد ينجو الإنسان من المحكمة،
ولا ينجو من أثر ما تركه في قلوب الآخرين.
وقد لا تُكتب جريمته في أي سجل،
لكنها قد تبقى مكتوبة في ذاكرة شخصٍ
كان يتمنى فقط أن يعامله أحدٌ معاملة حسنة،
وأن يُنظر إليه دون تمييز،
وأن يُمنح فرصةً واحدةً ليكون نفسه،
وأن يُعامل كإنسان.
إن أرقى المجتمعات ليست تلك التي تكثر فيها القوانين والعقوبات،
بل تلك التي يقلّ فيها احتياج الناس إليها؛
لأن الضمير فيها حي،
والرحمة فيها ثقافة،
والكرامة فيها حق،
والاختلاف فيها لا يُحوَّل إلى تهمة.
فاحذروا الجرائم التي لا تُكتب في المحاضر؛
فبعضها لا يترك صاحبه خلف القضبان،
لكنه يترك ضحيته سنواتٍ خلف قضبان الذاكرة.
قد لا نستطيع أن نعاقب كل من أساء،
ولا أن نُصلح كل ما أفسده الآخرون،
لكننا نستطيع أن نقرر ألّا نكون نحن سببًا في وجع إنسان.
فهناك جرائم لا تُسجَّل في محضر،
ولا تُعرض على قاضٍ،
ولا تُسمع فيها شهادة؛
لكنها تُحفر عميقًا في ذاكرة من أُصيب بها.
وقد يغيب المحضر،
ويغيب القاضي،
ويغيب العقاب،
لكن لا يغيب الحق عن ميزان الله.
بقلمي
الزهرة العناق
16/08/2026




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات